على الطريق الصحراوي، وفي رحلةٍ إنسانيةٍ لوداع خالتي إلى مثواها الأخير في قريةٍ ريفيةٍ بمدينة “البلينا” جنوبي صعيد مصر، كان اللقاء مع سحر يومٍ قارس؛ تلك اللحظات التي “استلَّت” فيها أنيابُ البرد عظامنا لم تكن مجرد عارضٍ مناخي، بل كانت في جوهرها “مواجهةً مع الذات”.
إذ كيف لنا، ونحن نملك رفاهية السيارة والدثار، أن ندرك كنه مأساة الإنسان في غزة، الذي يبيت تحت سياط الشتاء ليله السرمدي بلا جدارٍ يقي ولا قرارٍ يسند؟ إن الحقيقة الماثلة هي أن مأساة غزة لم تعد مجرد حدثٍ طارئ في مفكرة السياسة، بل هي وخزةٌ حادةٌ للسريرة الإنسانية قبل أن تكون لسعةً مؤلمةً للجسد.
إن العجز في اللحظات التاريخية الفاصلة هو “انتحارٌ استراتيجي”، وما “المقاطعة” في جوهرها إلا فعلُ “تطهرٍ ذاتي” ورفضٌ شعبي لمسار الإبادة. وفي عالمٍ لا يقيم وزناً إلا للأقوياء، تبرز تجربة فنزويلا كمرآةٍ كاشفة؛ إذ تؤكد أن الاقتصاد هو المحرك الصامت للسيادة الدولية، وأن الارتهان لموردٍ واحد هو “ثغرةٌ استراتيجية” تجعل القرار الوطني أسيراً لضغوط التدخلات.
إن “المنعة” لا تتحقق بالشعارات، بل بتحصين الجبهة الاقتصادية؛ فالتبعية الاقتصادية هي الوجه الآخر للتبعية السياسية. وهنا نستدعي “الاتحاد” كفلسفة بقاء؛ فالتاريخ يعلمنا أن المعتصم بالله حين سيّر جيشه لفتح “عمورية”، كان يدرك أن هيبة الدولة لا تستقيم إلا بامتياز القوة في الداخل، ليكون الجواب دوماً: “ما تراه لا ما تسمعه”.
وهذه الهيبة التي سطرها التاريخ، هي ذاتها التي نبحث عن ملامحها اليوم في أروقة جبهتنا الداخلية؛ حيث يضج الشارع المصري بجدل انتخابات مجلس النواب. وهنا يبرز الخلل في التباس “الدور التشريعي” بـ “المطلب الخدمي”؛ فيتساءل المواطن البسيط بمرارة: “ما فائدة صوتي إذا كان مرشح القائمة قادماً لا محالة؟”.
إن هذا العزوف هو رسالةٌ سياسية بليغة يتوجب على الأجهزة المعنية قراءتها بتمعن؛ إذ إن الرهان على برلمانٍ يمرر قوانين “مُفصّلة” هو رهانٌ يفتقر للحيوية السياسية. إن نظام “القوائم المغلقة” الذي يغيب المنافسة الحقيقية يضعنا أمام سؤال الجدوى والكلفة؛ فإذا كان المقعد محجوزاً سلفاً، فلماذا نتحمل كلفة “الإشراف والتجهيز”؟ إن البرلمان هو عصب “الشرعية”، وغيابه الفعلي ليس إلا “ثقباً” في جدار الأمن القومي.
إن المنعة لا تُبنى إلا بوجوهٍ تمتلك “الأنفة”؛ ومن هنا ينبع الإجلال لظاهرة الملثم “أبو عبيدة” كرمزٍ لمقاومةٍ ولدت من رحم القهر، ونرثي بمرارةٍ الباحث الشهيد “حذيفة الكحلوت”؛ الذي غادر أروقة الدكتوراه ليدافع عن العرض، ليرتقي شهيداً واقفاً، مجسداً قول عنترة: “لا تَسقِني ماءَ الحَياةِ بِذِلَّةٍ.. بَل فَاِسقِني بِالعِزِّ كَأسَ الحَنظَلِ”.
وفي الختام، فإن السياسة والأخلاق صنوان لا يفترقان؛ فالرجل “مروءة” في بيته كما في وطنه، وما أقبح “فجور الخصومة” الذي نراه اليوم في هتك أسرار البيوت؛ فمن لا يصون سر شريكته، لا يمكنه أن يصون عهد وطنه. إن “المنبت الطيب” والزوجة “الحسيبة النسيبة” هما حجر الأساس لبناء أمةٍ صلبة؛ وكما قال ابن حبان في “روضة الأدباء”: “من غرس فسيلاً يوشك أن يأكل رطبها”.