تشهد قضية الحريات المدنية في مصر جدلا مستمرا بين النصوص القانونية التي تكفلها والواقع العملي الذي يعكس تحديات في التطبيق والممارسة، فالدستور المصري الصادر عام 2014 ينص بوضوح على حماية الحقوق الأساسية لحريات المجتمع، مثل حرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة، وحق التجمع السلمي، وإنشاء الجمعيات، وضمان المساواة أمام القانون دون تمييز.
قيود على الحقوق المدنية
يأتي هذا في الوقت الذي ترى فيه منظمات حقوقية محلية ودولية، أن هذه الحقوق تواجه قيودا متفاوتة تتعلق بتطبيق القوانين والمناخ السياسي العام في مصر.
من أبرز الملفات المرتبطة بالحريات المدنية قضية “حرية الصحافة”، إذ تحتل مصر مراكز متأخرة في المؤشرات الدولية لحرية الصحافة، بحسب تقارير منظمة “مراسلون بلا حدود”، التي تشير إلى استمرار حبس عدد من الصحفيين على خلفية قضايا تتعلق بالنشر أو الانتماء لمؤسسات إعلامية معارضة. في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن الإجراءات المتخذة تستند إلى أحكام قانونية لا علاقة لها بالعمل الصحفي ذاته، وإنما تتعلق بتهديد الأمن العام أو نشر معلومات كاذبة من شأنها إثارة البلبلة في المجتمع وتهديد الأمن القومي.
أشار ناصر أمين، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، إلى أن الحقوق المدنية تخضع في الأساس إلى أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الأمم المتحدة عام 1966، والذي صادقت عليه مصر وأصبح جزءًا من القانون المحلي المصري، ما يستوجب أن تكون جميع التشريعات الوطنية متوافقة مع هذا العهد لضمان حماية الحريات والحقوق المدنية.
وأشار أمين في حديث لـ “القصة”، إلى أن الواقع القانوني والحقوقي في مصر لا يعكس هذا الالتزام. لأنه لا يوجد قانون مصري واحد متوافق بشكل كامل مع العهد الدولي، مشيراً إلى أن معظم الحقوق المدنية الأساسية مثل الحق في الحياة، وحرية الرأي والتعبير، والتجمع السلمي، وتكوين الجمعيات والأحزاب والنقابات، وحرية المعتقد، تعاني أزمة في التطبيق.
وأكد أن هذه الملاحظات قدمت في مذكرة رسمية إلى الأمم المتحدة خلال مناقشة تقرير مصر الدوري بشأن أوضاع الحقوق والحريات، إذ إن قانون الجمعيات الأهلية الحالي لا يتوافق مع المعايير الدولية المنظمة لحق تأسيس الجمعيات، كما أن قانون التظاهر يتعارض مع مبادئ العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تضمن حرية التجمع السلمي.
مناخ منظمات المجتمع المدني
وفيما يتعلق بمنظمات المجتمع المدني، وصف أمين أوضاعها بأنها “بائسة للغاية”، خاصة تلك التي تعمل في الملفات الحقوقية والسياسية الحساسة، مؤكداً أنها تواجه بيئة تقيد نشاطها عبر قوانين مشددة وإجراءات ترهيب وتشويه ممنهجة.
وأضاف أن العديد من النشطاء والعاملين في هذه المنظمات تعرضوا لتقييد الحرية، مشيرًا إلى القضية 173 الشهيرة الخاصة بتمويل منظمات المجتمع المدني كمثال بارز على تضييق العمل الحقوقي.
وأشار إلى أن الإعلام المستقل في مصر يعيش حالة من التقييد الشديد وهو ما يؤثر بدوره على قدرة المجتمع المدني في أداء دوره الرقابي وحماية الحريات العامة، داعيًا إلى مراجعة شاملة للتشريعات بما يتوافق مع الالتزامات الدولية لمصر ويعيد التوازن بين الدولة والمجتمع في إطار من الشفافية وسيادة القانون.
الحوار الوطني
تسعى الحكومة المصرية في تقديم صورة مغايرة من خلال إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان عام التي صدرت عام 2021، وتعهدت وقتها بتحسين بيئة العمل الأهلي، وتعزيز ثقافة الحقوق والحريات، وتطوير التشريعات ذات الصلة، إذ شهدت الفترة الأخيرة الإفراج عن مئات المحبوسين احتياطيا ضمن مبادرات “الحوار الوطني” و”اللجنة الرئاسية للعفو”، وهو ما اعتبرته السلطات خطوة إيجابية نحو توسيع مساحة المشاركة العامة، في المقابل ترصد منظمات حقوقية عمليات ضبط في نفس الوقت التي يتم فيه الإفراج عن المحبوسين، معتبرين أن لا جديد في ملف الحريات وعدم فاعلية مبادرة الحوار الوطني.
ويرى حقوقيون أن مصر بحاجة لمزيد من الإصلاحات القانونية والإجرائية لضمان توازن حقيقي بين ضرورات الأمن ومتطلبات الحرية، وأن التحدي الأكبر في الانتقال من النصوص إلى الممارسة الفعالة، بحيث تصبح الحقوق المدنية جزء من الحياة اليومية للمواطنين، وليست مجرد التزام دستوري أو شعارات في المبادرات الحكومية.
الوعي المجتمعي
ورغم تعقيدات المشهد، فإن ثمة مؤشرات على تنامي الوعي الشعبي بأهمية الحقوق المدنية، خاصة بين فئات الشباب والمهتمين بالشأن العام، فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منصة أساسية للنقاش حول قضايا الحريات والمواطنة، وهو ما يعكس تحولا تدريجيا في الثقافة السياسية تجاه المطالبة بالحقوق بطرق سلمية وقانونية.
كما بدأت بعض المؤسسات الأكاديمية ومراكز الأبحاث في تناول موضوعات تتعلق بالحكم الرشيد وحقوق الإنسان ضمن برامجها التعليمية، في محاولة لترسيخ ثقافة المشاركة والمساءلة.
وتبقى الحريات المدنية في مصر ساحة نقاش مفتوح بين طموح الإصلاح وضرورات الاستقرار، وبين رؤية الدولة لأمنها القومي ورغبة المجتمع في توسيع مساحة التعبير والمشاركة.