تمثل الدراما المصرية أخطر القوى الناعمة التي تؤثر على مزاج وعقول المصريين، وهنا أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي توجيهات واضحة لصناع الدراما المصرية، عقب الموسم الرمضاني الماضي، أكد خلالها، ضرورة احترام القيم الأسرية والحفاظ على صورة الأسرة المصرية في الأعمال الفنية.
وشدد السيسي، على أن أي محتوى يتضمن خيانة زوجية أو طلاق أو أي سلوكيات تُعد مخالفة للقيم الاجتماعية يجب تجنبه، مؤكدًا أن الإعلام والفن يجب أن يعكس صورة إيجابية عن المجتمع ويعزز استقرار الأسرة.
هذه التصريحات أثارت جدلًا واسعًا بين صناع الدراما، حيث اعتبرها البعض تدخلًا رقابيًا يمكن أن يحد من حرية التعبير الفني، بينما رأى آخرون أنها توجيه للحفاظ على الهوية الثقافية والمجتمعية في المشهد الدرامي.
ومع انطلاق موسم الدراما الرمضانية لهذا العام، يبدو أن المشهد الفني المصري لم يشهد أي تغير جوهري مقارنة بالسنوات السابقة. نفس النجوم، نفس الموضوعات السطحية، ونفس المعالجات السردية تتكرر، فيما يغيب التجديد الفني والسياسي، لتصبح الدراما نسخة مكررة من نفسها، عاجزة عن التفاعل مع الواقع أو إثارة نقاشات مجتمعية حقيقية.
تشابه السيناريوهات والأبطال
يستعد الجمهور لمتابعة مجموعة متنوعة من الأعمال الدرامية تجمع بين الأكشن، الكوميديا، الرومانسية والدراما الاجتماعية. ويشهد هذا الموسم عودة عدد من النجوم مثل أمير كرارة، محمد إمام، وأحمد العوضي، إلى جانب ظهور وجوه جديدة تنضّم للسباق الرمضاني.
تتنوع الأعمال بين المسلسلات الطويلة من 30 حلقة، وبين الأعمال القصيرة من 15 حلقة التي تركز على حبكة سريعة ومشدودة.
كما يبرز حضور المنصات الرقمية مثل WATCH IT وMBC شاهد إلى جانب القنوات الفضائية، ما يمنح المشاهد فرصة اختيار المتابعة حسب اهتمامه، لكن أمام هذا الكم الهائل من الإنتاج، هل من جديد؟.
يصف الناقد الفني جمال عبد القادر الموسم الحالي بأنه “نسخة طبق الأصل عن السنة الماضية”، مؤكدًا في حديثه مع موقع القصّة أنّ: “ما يظهر من خريطة الأعمال يؤكد أنّنا سنشاهد نفس الأعمال والنجوم والموضوعات الساذجة السطحية، وهذا أمر مستمر منذ عقد تقريبًا، هذا التكرار وإن دلّ على شيء، فإنّه يدل على أنّ الفن لا يمكن أن يصنع بالتعليمات والأوامر، كما أنّ التعليمات التي صدرت بسبب الأزمة التي تسبب بها عمل قدم على قناة عربية وكان من إنتاج عربي، فهل نسي الجميع أنّ نفس المخرج قدّم خمسة أعمال سابقة من إنتاج المتحدة بنفس الموضوع والأداء والمعالجة، فماذا جدّ؟”.
يشير عبد القادر إلى أنّ الانتقادات الأخيرة للأعمال الدرامية لا ترتبط بجودة المحتوى بقدر ما ترتبط بجهة الإنتاج، حتى مسلسل مثل فهد البطل الذي أنتجته المتحدة قدم نفس محتوى البلطجة والرداءة ولم يُعترض عليه، فهل الاعتراض الآن لأن هذا الإنتاج خرج من عباءة الدولة وقدّمته شركات أخرى؟.
ويؤكد على أنّ هذا العام لدينا نفس القصص: محمد عادل إمام في دور ملاكم شعبي، وعمرو سعد ومصطفى شعبان بنفس الموضوعات والمعالجة. كل الضجة التي أثيرت العام الماضي لم تُحدث أي تأثير.
سياسة المحتوى والسيطرة على الواقع
تُعد شركة المتحدة للإنتاج الفني اللاعب الأكبر والأكثر تأثيرًا في صناعة الدراما، إذ تمتلك السيطرة شبه الكاملة على خريطة الإنتاج، سواء من حيث تمويل الأعمال أو اختيار المخرجين والنجوم وحتى مضمون الحلقات. ويشير عبدالقادر إلى أن هذه السيطرة تهدف إلى ضبط المحتوى الفني وتقديم أعمال “آمنة” بعيدًا عن القضايا السياسية الحساسة أو النقد الاجتماعي العميق، ما يضمن للشركة الحفاظ على نفوذها وسيطرتها على السوق.
ومن خلال احتكار الإنتاج، أصبحت المتحدة قادرة على إعادة إنتاج نفس الموضوعات والقصص التي سبق وأنتجتها، مع تغييرات طفيفة فقط، ما يحد من التجديد الإبداعي ويجعل الجمهور أمام دراما متكررة ومتشابهة.
يمثل الغياب التام لأي عمل سياسي في السنوات الأخيرة الركيزة الأساسية للدراما منذ سيطرة المتحدة على الصناعة، وهو ما يشير إليه عبد القادر بالأمر غير المفاجئ، فلا يمكن تخيل أن تنتج المتحدة أعمالًا سياسية تمس النظام الذي تنتمي إليه. الهدف الأصلي من تأسيس هذا الكيان كان السيطرة على صناعة ما يُقدّم للناس من محتوى، بعد أن نظر البعض من المسؤلين، إلى أعمال سينمائية سابقة مثل الإرهاب والكباب ودكان شحاتة باعتبارها أعمالًا تحريضية وسببًا لاندلاع ثورة يناير، وكأن الشعب عبارة عن مجموعة من السذج لا مشاكل لديهم.”
ما يعكس كيف تتحكم الشركات الكبرى المملوكة للدولة في شكل ومضمون الدراما، لتقديم محتوى “آمن” يبتعد عن النقد السياسي والاجتماعي الحقيقي، حتى لو كان الواقع مليئًا بالقضايا الساخنة.
تنوع شكلي بلا مضمون حقيقي
تشهد الدراما المصرية في السنوات الأخيرة غيابًا شبه كامل للحرية الفنية، ما انعكس بشكل واضح على طبيعة الأعمال المقدمة للجمهور. في ظل القيود المشددة على المحتوى، تتجنب الأعمال تناول القضايا السياسية والاجتماعية الحساسة، مثل الفساد أو النقد المباشر للسلطة، أو حتى موضوعات شائكة داخل الأسرة والمجتمع، مثل الطلاق أو الخيانة الزوجية أو المخدرات، وهي مواضيع بطبيعة الحال جزء من الواقع الاجتماعي في أي مجتمع.
لذلك، أصبح المشهد الدرامي آمنًا ومكررًا، يركز على التسلية والدراما الاجتماعية التقليدية، مع ابتعاد كامل عن الجرأة في طرح قضايا حقيقية.
كما تشير الكاتبة والناقدة فايزة هنداوي إلى أن غياب السياسة عن الدراما أمر مفهوم في ظل التشديد وغياب الحريات، حيث يظل سقف الحرية الفني أقل بكثير مما يسمح بطرح نقد سياسي أو اجتماعي جريء، وهو ما يجعل الدراما عرضة للتحجيم والتكرار.
من جهتها، أبدت فايزة هنداوي ملاحظاتها حول الموسم الحالي، مشيرة إلى وجود مؤشرات على تنوع شكلي هذا العام، فهناك بطولات نسائية، وأعمال أكشن وكوميدية، لكن الحكم النهائي بعد المشاهدة.
وأعربت هنداوي في حديثها مع القصّة: “أنّ تعليمات الرقابة الصادرة كل عام غالبًا ما تأتي ضد الفن، الذي يجب أن يرصد كل الظواهر، ولا يقدم فقط صورًا مثالية عن المجتمع، وأنا ضد فكرة تكميم الفن وتحجيمه، صحيح أنّنا نشهد تراجعًا لقوة الأعمال سنة تلو الأخرى، لكن يبقى هذا مفهوم في ظل التشديد وغياب الحريات، وإذا كان يتم التشديد على عدم تقديم أعمال تتضمن خيانة زوجية أو طلاق أو تعاطي مخدرات، فما بالنا بأعمال تقدم نقدًا سياسيًا؟”.
يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن الدراما من كسر دائرة التكرار، وتقديم أعمال جريئة تعكس الواقع بشكل صادق؟ أم أن سيطرة شركات الإنتاج والرقابة السياسية ستظل تحافظ على “الدراما الآمنة”، بعيدًا عن النقد والمساءلة.