كلنا يتذكر الفيلم الشهير للفنان يوسف وهبي وعماد حمدي، حينما أخطأ الصيدلي حسين رياض في تركيبة دوائية، ودارت أحداث الفيلم في محاولة منع المريض من تناول هذا الدواء الذي كان به سمٌّ قاتل.
ويظهر جليًّا في هذا الفيلم طريقة ممارسة الطب في مصر منذ أكثر من مائة عام، حيث كان الطبيب القاهري، مثلًا، يجلس في عيادته ويفحص المرضى ويعالجهم بما حصّله من علم في كلية الطب، وكذلك ما وصل إليه من مجلات طبية تصله من خارج البلاد كل سنة مرة، أو ما قد يكون سمعه من محاضرات في مؤتمرات طبية قليلة لا تنعقد إلا في عاصمة البلاد كل سنتين أو أكثر.
وكانت أغلب الأدوية عبارة عن تركيبات طبية يقوم الصيدلي بتجهيزها حسب الروشتة المرفقة، وكانت الكثير من الأمراض غير معروف السبب، وتداخلات المستحضرات الدوائية مجهولة، فكان هناك هامش كبير من الاجتهاد لدى الأطباء في تشخيص وعلاج الحالات. وكان الناس، مثلًا، في أقاصي البلاد يهرعون إلى القاهرة لطلب العلاج لدى طبيب مشهور قد ابتكر تركيبة معينة لشفاء مرض عضال ومزمن لديهم، ويبذلون في سبيل ذلك الغالي والنفيس.
ولكن كل ما سبق لم يعد موجودًا في هذه الآونة، فقد تطور الطب والصيدلة تطورًا رهيبًا، وأصبح هناك كل ساعة يُنشر بحث جديد يساعد في تشخيص ما كان مبهمًا من الأمراض، وعلاج ما كان ميئوسًا من شفائه من علل، بل وأصبح الأمر في تشخيص وعلاج كل الأمراض معتمدًا على بروتوكولات وجايدلاينز تصدرها المنظمات والجمعيات الدولية عالية التخصص، وتقوم بتحديثها سنويًا، بل وأحيانًا تصدر تحديثات ربع أو نصف سنوية.
وتعتمد هذه المنظمات وتلك الجمعيات في إصدار توصياتها على ما يسمى الطب المبني على الدليل
Evidence Based Medicine.
إذ، عزيزي القارئ، ما هو الطب المبني على الدليل؟ هو مراجعة لكل ما نُشر من أبحاث ودراسات علمية موثقة بكافة أنواعها، وأُجريت وفق ضوابط علمية معتمدة، سواء فيما يختص بأسباب وطرق تشخيص وعلاج الأمراض، ويتم ترتيبها بحسب قوتها ودقتها و”المصداقية في نتائجها”.
وتُعد أعلى درجات القوة في البحث العلمي هي الأبحاث التي تم إجراؤها بطريقة علمية لا يعرف فيها المريض أو الطبيب نوع الدواء الذي يُستخدم
Randomized Controlled Trials، وتنخفض قوة الأبحاث لتصل إلى أقل مراتبها في آراء الأساتذة والخبراء، وهي لا يؤخذ بها غالبًا في وضع البروتوكولات العلاجية. وبناءً على هذا الترتيب يتم وضع البروتوكولات العلاجية ومراجعتها كل عام أو أكثر، بحسب ما يتجمع من نتائج الأبحاث الحديثة التي تستدعي تعديلها أو الإضافة إليها.
وما نراه في هذه الأيام، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو على الفضائيات، من شخصيات سواء محسوبة على الطب كأطباء أو أساتذة طب، أو شخصيات لا تمتلك حتى شهادات طبية، من اختراع أنظمة علاجية أو أنماط غذائية بغض النظر عن نوعها، لهو افتئات على قواعد العلم والبحث العلمي.
فلا يجب أن يؤخذ بملاحظات شخصية على حالة أو اثنتين، أو حتى عشرات الحالات، في الجزم بصلاحية هذا النظام العلاجي أو الغذائي لتطبيقه على كافة المرضى. وللحديث بقية.
أ.د. طارق العريني
أستاذ وبائيات الأمراض غير المعدية والتغذية والصحة العامة
كلية الطب – جامعة المنيا