طالعتنا وكالات الأنباء المحلية والعربية خلال الأيام القليلة الماضية بالبيان الصادر عن المجلس القومي للطفولة والأمومة، عبر خبر حمل عنوانه:
«بعد توجيه الرئيس السيسي.. مصر تضع خطوطًا حمراء لحماية أطفالها إلكترونيًا، حظر تام لتصوير الأطفال أو تداول صورهم وبياناتهم الشخصية عبر المنصات الرقمية».
ولا ندري هنا إن كان هذا الحظر مبنيًا على دراسات علمية، أم أنه مجرد استجابة سريعة لتوجيهات السيد الرئيس، أم أنه إجراء احترازي طبيعي كالذي شاع اتخاذه من قبل الأسر المصرية منذ سنوات طويلة، بمواراة ملامح وجوه أبنائهم خلف بعض الأيقونات التعبيرية، كتدبير وقائي يمزج بين الحداثة والموروث الشعبي المتوجس من الحسد.
وتناول البيان ضرورة حماية الأطفال من «التوحش الرقمي»، وهو مصطلح صادم يبدو من خلاله الفضاء الإلكتروني وقد تحوّل إلى «شركة المرعبين المحدودة»، والذي ربما يواجه من خلاله «مارد وشوشني» مشكلة قانونية مع المجلس القومي للطفولة والأمومة بسبب تداوله صورة الطفلة «بو» داخل عالم المرعبين. ناهيك عن تخيّل الأب وهو يسحب الهاتف من طفله قائلًا بكل وقار: بناءً على التوجيهات الرئاسية وبيان المجلس القومي للطفولة والأمومة، فقد تقرر حرمانك من الهاتف حتى إشعار آخر، محذرًا إياه: «قوم ذاكر يا حبيبي علشان التوحش الرقمي ما ياكلكش».
ثم تناول البيان التوجيه بتبني نظرية «الرقابة المتوازنة» المتّبعة في الخارج، دون أن يذكر تحديدًا آليات تطبيقها في مصر. فهذه النظرية ذات المصطلح الدبلوماسي ستصطدم حتمًا مع صرخات الأم الموجّهة لطفلها: «هات الزفت ده بدل ما أكسره على دماغك»، إلا أنها ستضفي بعضًا من الشرعية على هذه اللحظة الدرامية.
ولكن هل يكون نجاحها مهددًا بالفشل، في ظل طفل بات يتجاوز «الباسورد» و«البروكسي» قبل أن يتعلم كيف يربط حذاءه؟ إذ ستمثل له تلك الرقابة تحديًا من نوع خاص، وهو القادر على اختراق حسابات والده الاجتماعية وكروته الائتمانية لمجرد منعه من شحن «لعبة بابجي»، بينما يعجز والده عن الوصول منفردًا إلى طريقة تحديث وإعادة تهيئة هاتفه.
ولم يكتفِ الخبر ببيان المجلس فحسب، بل تناول أيضًا آراء بعض الأطباء الذين لم يتركوا الفرصة تمر دون التحذير من «الجيل الأحدب»، وهم أطفال بظهور مقوّسة من كثرة الانحناء أمام شاشات الهواتف المحمولة للعب «روبلوكس». فيما حذر بعضهم الآخر مما قد يسببه الهاتف المحمول من «تشتت» للطفل أثناء المذاكرة، لكن لم يعرّج أيٌّ منهم على السبب وراء هذا التشتت، والذي يكمن في تدني جودة المادة العلمية المقدمة للأطفال، والتي لا تواكب العصر بالشكل الذي يجعل الطفل لا يعرف «خريطة شبه الجزيرة العربية» في كتاب الدراسات الاجتماعية الممل، بقدر معرفته بخرائط لعبة «بابجي» المشوقة.
بينما حذر آخرون كذلك من أن الهاتف المحمول قد يدفع الأطفال إلى الميل للعزلة والوحدة، وبمنعه سيعود الطفل المصري إلى دفء الحضن العائلي، لينافس إخوته على ريموت التلفزيون، ومحاولة اكتشاف أسرار «أدراج» النيش، كما سيعود ليصغي إلى حكايات الآباء عن ذكرياتهم مع «التليفون الأرضي ذو البكرة الدوّارة»، وهي الذكريات التي ستدفع أطفال هذا الجيل لطلب العودة مجددًا إلى «التوحد الإلكتروني».
وبالعودة إلى الفقرة الأخيرة من البيان، فقد اتسمت بالحماس الشديد، إذ نصت على أن «الفضاء الرقمي لن يكون ثغرة للنيل من حقوق الطفل»، وهي جملة قوية تشعرك بأن المجلس القومي للطفولة والأمومة بصدد وضع «درع صاروخي» فوق جميع أجهزة «الراوتر» في مصر. لكن الحقيقة التي لا تقبل مجالًا للشك أن «الثغرة» ليست في الإنترنت، بل في «الفراغ»، فالطفل يهرب إلى شاشة الهاتف المحمول لأن الشارع لم يعد مكانًا آمنًا للعب «الاستغماية والسبع بلاطات» كما كان من قبل، ولأن ممارسة كرة القدم في الأندية أصبحت حكرًا على أبناء الأغنياء فقط.
وتظل الأسئلة المطروحة للنقاش بناءً على ما سبق: هل نحن بصدد إدخال الأطفال عصر «الختان الإلكتروني»؟ وهل تريد الدولة من الطفل أن يترك «الميتافيرس» ليركز في «القسمة المطوّلة»؟ والأهم من هذا كله، هل تكتفي الحكومة ببيان المجلس القومي للطفولة والأمومة، أم تتبعه جهات حكومية أخرى بتناول خيط التوجيه الرئاسي الذي التقطه من قبل البرلمان المصري، تمهيدًا لإصدار تشريعات جديدة بعد الدراسة والمناقشة؟
وما نخشاه أن يعلن البرلمان حالة الاستنفار العام، ويسخر جلساته لأشهر قادمة خصيصًا للبحث عن «السن القانونية» لحمل الهاتف المحمول، لنرى تشريعًا جديدًا ينظم ذلك، ولا عجب إن نص مشرّع القانون الجديد على عقوبات لمخالفيه بسحب الشاحن لمدة أسبوع.
وكأن الجميع قد قرر طواعية تجاهل المشكلة الأصلية والتشبث بالفرعيات، المتمثلة في عدم وجود قانون، فالمشكلة الرئيسية تبدأ في البيت، وتحديدًا من الأب والأم اللذين اعتبرا الهاتف المحمول «جليسة أطفال» مجانية. إذ لم يعد الهاتف المحمول في البيت المصري مجرد وسيلة اتصال فحسب، بل أصبح «حقنة المخدر» التي تُعطى للطفل حتى تستطيع الأم التفرغ التام للحديث مع صديقاتها في هدوء، أو كي يشاهد الأب مباريات الدوري المصري لكرة القدم بتركيز شديد لا يقطعه سؤال عبقري لطفله: «بابا، هما بيلعبوا إيه؟».
ختامًا، فإن محاولة معالجة هذه الأزمة تعكس نية طيبة، لكن تنفيذها يشبه كثيرًا محاولة تجفيف منابع المياه بمنديل ورقي. فحماية الأطفال من الابتزاز والتنمر والتحرش الإلكتروني ضرورة لا غنى عنها، لكن السخرية تكمن في أننا دائمًا ما نأتي بتشريعات منقوصة لا تعالج المشكلة علاجًا شافيًا وافيًا، كما أنها — كالمعتاد — تأتي متأخرة، بعد أن أصبح الطفل يعرف عن الذكاء الاصطناعي والبرمجة أكثر مما يعرفه المشرّع عن «توليف قنوات البث التلفزيوني».
وإن ضرر وجود مثل هذه التشريعات، إن خرجت منقوصة، قد يكون أكبر من نفعها، خاصة أننا أمام محاولة لإعادة برمجة كائن حي اعتاد الحصول على «الدوبامين» بضغطة زر.