تظل جزيرة الوراق رمزًا للصراع بين التنمية وحقوق السكان المحليين، حيث تتجدد الاشتباكات بين الحين والآخر في صراع أرهق أهالي الجزيرة منذ منتصف يوليو 2017، حينما أعلنت هيئة المجتمعات العمرانية عن مشروع “مدينة حورس”، الذي يسعى إلى تحويل الجزيرة إلى مركز تجاري عالمي، يتضمن بناء أبراج سكنية وتجارية وفنادق.
ناقشت “القصة” خبراء قانون، الذين ذكروا أنه لا بديل عن المسار التفاوضي، ووصفوا تراجع الرقابة البرلمانية بأنه سبب ذو تأثير سلبي في تفاوض الأهالي، علاوة على أن الدستور المصري وقانون البيئة اشترطا عمل “دراسات الأثر البيئي” الضامن الوحيد لحقوق السكان الأصليين وضرورة إشراكهم في مشروعات التطوير لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
“القصة” في قلب الجزيرة
تواصلت “القصة” مع عدد من أهالي جزيرة الوراق الذين تحفظنا عن ذكر أسمائهم، يقول “م.ع”: “منذ أكثر من شهر تم عقد اجتماع مع بعض الأهالي وعددهم 20 شخصًا وطلبوا منهم البدء في نزع الملكية والـ30 مترًا من حول النهر بحجة عمل حديقة عامة على مساحات كبيرة إلى جانب البدء في عمل المرافق”.
ويضيف لـ”القصة”: “اشتكى الأهالي من تدني الأسعار المعروضة من هيئة المجتمعات العمرانية 4000 للمتر للأرض و7000 للمتر المباني، ويذكر أن أسعار الشقق المقترحة في المرحلة العاجلة لأهالي جزيرة الوراق وعددها 10 عمارات، تدور حول 25000 جنيه للمتر الواحد، ما يظهر اختلافًا كبيرًا في الأسعار.
ويواصل: “طلب الأهالي زيادة الأسعار أو إعطاءهم 300 فدان في الجزيرة على أن يتم البناء على نماذج معتمدة من الحكومة، ما قوبل بالرفض، ومنذ أكثر من أسبوعين بدأت النزول عبر لجان ولوادر لإجراء القياسات، ما قوبل باعتراض الأهالي، حتى حدث النزول بالقوة الجبرية ووقعت اشتباكات عبر المولوتوف والخرطوش.
وتقع جزيرة الوراق في قلب نهر النيل وهي تابعة إداريًا لمحافظة الجيزة، بمساحة تتراوح بين 1500 و1800 فدان، حيث تشكل الجزيرة نقطة التقاء جغرافية بين ثلاث محافظات كبرى: القاهرة، الجيزة، والقليوبية. ويعتمد سكان الجزيرة، الذين يقدر عددهم بنحو 100000 نسمة، على الزراعة والصيد كمصدر رئيسي للدخل، ما يجعلها مكانًا ذا أهمية اقتصادية واجتماعية كبيرة بالنسبة لسكانها.
مشروع استثماري ومركز تجاري عالمي
تبرر الحكومة موقفها بضرورة إخلاء الجزيرة لتنفيذ مشروع “مدينة حورس”، الذي يسعى إلى تحويل الجزيرة إلى مركز تجاري عالمي، يتضمن بناء أبراج سكنية وتجارية وفنادق.
نتيجة لذلك، تناقصت الأراضي الزراعية في الجزيرة بشكل كبير، وترى الحكومة أن تحقيق الأرباح من هذا المشروع المالي والتجاري أفضل من الاحتفاظ بالطبيعة الزراعية المستدامة للجزيرة.
يدخل المشروع ضمن تطوير الجزر النيلية، الذي تضمنه مخطط القاهرة 2050، حيث قامت الهيئة العامة للتخطيط العمراني ومركز إقليم القاهرة الكبرى بإعداد مخطط جديد لجزيرة الوراق عام 2010، بهدف تحويلها إلى مدينة جديدة مخططة “مدينة حورس”.
الدستور يجرم التهجير
ومع ذلك، فإن هذه السياسات الحكومية تناقض الدستور المصري، الذي يجرم عمليات التهجير القسري ، كما أن الحكومة تخالف المعاهدات والمواثيق الدولية التي تؤكد على ضرورة التفاوض مع الأهالي قبل الشروع في أي مشروع تنموي.
وألزمت المادة 63 من الدستور المصري، التي تعتبر التهجير القسري جريمة لا تسقط بالتقادم، وكذلك الالتزام بمعاهدات مصر الدولية بشأن الحق في السكن الملائم والحماية من الإخلاء القسري كجزء من “الحق في مستوى معيشي كاف” كما جاء في المادة 11 (1) من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966.
غياب الرقابة البرلمانية
بدوره يقول مالك عدلي، المحامي بالنقض والإدارية العليا: “القضية مربكة ومعقدة لأن هذه التصرفات هي أقرب لما يسمى “التهجير القسري”، ولم تحدث في جزيرة الوراق وحدها، لكنها حدثت في أكثر من منطقة، وهنا نتساءل: من يراقب السلطة التنفيذية؟ لنجب أن الجهات هي الرقابة القضائية أو البرلمانية التي انتخبها الشعب، ويتدخل البرلمانيون في مفاوضات نيابة عن الأهالي للوصول لصيغ عادلة”.
ويضيف: ليس لدينا مشكلات مع فلسفة نزع الملكية بغرض المنفعة العامة شريطة الالتزام بحقوق السكان المحليين، فهناك نزع لإقامة جسر يخدم ملايين البشر أو تجنبًا لغرق الأهالي من الفيضانات أو الأعمال العسكرية، وهنا يكون لزامًا على الجميع الالتزام وتدخل في بند التعويضات لكن الوضع في “جزيرة الوراق” هو الاستثمار العقاري ولأغراض التطوير، الأمر الذي يتطلب مراعاة حقوق السكان المحليين قبل طرحها لبناء الأبراج والمشروعات العقارية.
ويواصل “عدلي”: تعاني الجزيرة منذ أكثر من عشر سنوات، وكنا نتمنى أن يتم الأمر بالتفاوض لا بالضغط على الأهالي، خاصة أن الأسعار التي عُرضت على الأهالي قوبلت بالرفض، فزادت الأسعار، ما يعني وجود مخصصات مالية كافية، والقانون كفل لهم التعويض بأسعار السوق، علاوة على مطالبتنا بأن يكون التطوير العقاري لصالح السكان المحليين وليس رجال الأعمال.
2017 بداية الأزمة وغياب دراسات تقييم الأثر البيئي
منذ منتصف يوليو 2017 واجه سكان جزيرة الوراق اقتحامات متكررة لإخلاء منازلهم بالاكراه، وتعتبر هذه الممارسات من من تجريف الأراضي الزراعية في الجزيرة تهديدا لاستدامة البيئة الطبيعية، مما يقضي على المصادر الحيوية التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية.
ويُعد التجريف تهديدًا فعليًا للبيئة المستدامة وحق الأجيال القادمة في بيئة صحية، ويخالف أهداف التنمية المستدامة التي تشترط مراعاة اشتراطات الأثر البيئى وفقًا للاجراءات المعمول بها عالميًا.
وبدوره يعلق المحامي أحمد الصعيدي، رئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحقوق البيئية: :أقر قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته إلزام أي صاحب مشروع استثماري بإجراء دراسات تقييم الأثر البيئي قبل إصدار أية تراخيص، على أن يضمن جهاز شئون البيئة حقوق السكان الأصليين والمجتمعات الحالية الموجودة التي تتعرض للتطوير. ووفقًا للقانون، يتعهد صاحب المشروع بأن يشمل التطوير هؤلاء السكان وأن يجري تفاوضًا معهم، وهذا ما أقره الدستور المصري في مراعاة التنمية المستدامة التي تراعي الجوانب البيئية والاجتماعية والثقافية، وليست التنمية الاقتصادية فقط”.
ويضيف “الصعيدي” لـ”القصة”: “في العموم لسنا ضد التطوير، ولكن هناك اشتراطات بيئية يجب مراعاتها وفقًا لما هو معمول به عالميًا، والتي تحافظ على حقوق السكان الأصليين وتشترط وجودهم ضمن جلسات الاستماع العامة قبل التطوير، والاستماع لمقترحاتهم كمشاركة مجتمعية فاعلة بينهم وبين صاحب المشروع الاستثماري، وتوظيف مقترحاتهم. خاصة أن في جزيرة الوراق توجد “ملكيات مسجلة” في الشهر العقاري، ويحمي الدستور أيضًا الملكيات الخاصة، وهنا يأتي دور التفاوض بالتراضي حال نزعها دون ممارسة أي شكل من أشكال الضغط. وحال حدوث التطوير دون مراعاة الاشتراطات السابقة، فلا يمكننا تسميته بالتنمية المستدامة، وليس له مستقبل بسبب ما قد يحدث من مشكلات بين المستثمر والسكان المحليين”.
ويذكر أن الأزمة بدأت في الجزيرة منذ عام 1998، عندما صنّفت الحكومة الجزيرة كمحمية طبيعية، تلا ذلك قرار آخر في عام 2000 باعتبارها “ذات منفعة عامة”، ما أثار جدلًا واسعًا بين الأهالي والحكومة، فالسكان، الذين يمتلكون عقودًا تعود بعضها إلى عام 1905، شعروا بالتهديد تجاه ملكيتهم التاريخية لأراضيهم.
وفي محاولة لتهدئة الوضع، صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 848 لسنة 2001، والذي نص على عدم إخلاء المباني السكنية في جزيرتي الدهب والوراق، والسماح للمواطنين بتسجيل ممتلكاتهم.