في الوعي الجمعي المصري، لم تكن القهوة يومًا مجرد مكان للجلوس، بل كانت امتدادًا طبيعيًا للشارع، ومساحة اجتماعية مفتوحة لا تفرض شروطًا على روّادها، يجلس الجميع على الطاولة نفسها، بلا أسئلة عن الخلفية الاجتماعية أو القدرة المادية، وبلا تمييز بين من جاء ليشرب الشاي ومن جاء فقط ليشارك الحديث.
لكن هذا المشهد لم يعد هو السائد، خلال السنوات الأخيرة، ظهر نموذج موازٍ للمكان، يحمل اسمًا مختلفًا ودلالة أعمق: “الكافيه”. ومعه، بدأ يتشكل وعي اجتماعي جديد يُشار إليه اصطلاحًا بـ”إيجيبت”، لا باعتبارها دولة، بل باعتبارها نمط حياة ومعايير انتماء غير معلنة.
الفارق هنا لا يتوقف عند الأسعار أو نوع القهوة المقدمة، بل يمتد إلى سؤال أكثر حساسية: من يملك حق الجلوس؟ ومن يُرحّب به؟ ومن يتحول وجوده إلى عبء صامت يشعر به دون أن يُقال له صراحة؟
حين يتغيّر المكان ومعناه
كانت القهوة في مصر مساحة عامة شبه مجانية، لا تطلب من الجالس أكثر من حضوره. أما الكافيه في عالم “إيجيبت”، فقد أصبح مساحة انتقائية، تحكمها شروط غير مكتوبة لكنها مفهومة للجميع: نمط لباس، أسلوب حديث، طريقة تفاعل، وحتى تفاصيل صغيرة مثل الضحك أو الجلوس.
لم يعد المكان محايدًا. الدخول إليه صار فعلًا تصنيفيًا في حد ذاته، ورسالة اجتماعية واضحة: إلى أي عالم تنتمي؟ عالم “مصر” أم عالم “إيجيبت”؟، وبذلك لم يعد الكافيه مجرد موقع للاستهلاك، بل أداة رمزية لتحديد الموقع الطبقي.
موسيقى المكان.. حين تتحول الأصوات إلى حدود طبقية
في القهاوي التقليدية، كانت الموسيقى عنصرًا جامعًا. أغاني عبد الحليم حافظ، أم كلثوم، أو حتى الشعبي الخفيف، كانت تعبيرًا عن وجدان مشترك، لا يُقصي أحدًا ولا يخص فئة بعينها.
اليوم تغيّر هذا المشهد، الموسيقى داخل كثير من كافيهات “إيجيبت” أصبحت جزءًا من عملية الفرز: راب، إندي، وتيارات موسيقية تركز على الفرد والعزلة والذات، لا بوصفها أفضل أو أرقى، بل لأنها تعكس عالمًا مختلفًا وهمومًا طبقية مغايرة.
الصوت هنا لم يعد خلفية، بل لغة انتماء، تقول للداخلين من هم، ومن ليسوا.
الإحساس الدائم بالاختبار
تقول الدكتورة مروة ماهر، أستاذة علم النفس، في تصريح خاص لموقع “القصة“، إن الأماكن المغلقة اجتماعيًا تخلق لدى الأفراد شعورًا دائمًا بأنهم تحت التقييم. وتوضح أن الإنسان في هذه المساحات لا يجلس بوصفه شخصًا عاديًا، بل بوصفه كيانًا يخضع لمراقبة غير مباشرة، حتى في غياب أي نظرات صريحة.
وتضيف أن الشعور بعدم الانتماء لا ينتج عن المكان ذاته، بل عن الرسائل الضمنية التي يبعثها، سواء من خلال التجاهل أو أسلوب التعامل، ما يجعل الفرد يشعر بأنه “ضيف مؤقت” في مساحة يُفترض أنها عامة، وهو ما يترك أثرًا نفسيًا يتراكم مع الوقت.
اقتصاد القعدة
من جانبه، يرى الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، في تصريح خاص لموقع “القصة“، أن كافيهات “إيجيبت” لا تبيع القهوة في حد ذاتها، بل تبيع تجربة اجتماعية متكاملة.
ويشرح الشافعي، أن هذه التجربة موجهة بالأساس إلى طبقة قادرة على دفع ثمن الإحساس بالتميّز، لا ثمن الخدمة فقط، مؤكدًا أن التسعير المرتفع لا يُستخدم فقط لتحقيق هامش ربح أعلى، بل يعمل كآلية إقصاء ناعمة، تحدد من يملك حق الدخول، وتحوّل الاستهلاك من فعل يومي عادي إلى إعلان غير مباشر عن المكانة الاجتماعية.
المكان كأداة لإعادة إنتاج الطبقية
أما الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع، فتؤكد في تصريح خاص لموقع “القصة” أن أخطر ما في مشهد “مصر وإيجيبت” هو تطبيع الفصل الطبقي داخل تفاصيل الحياة اليومية، مشيرة إلى أن هذا الفصل لم يعد مرتبطًا بقوانين أو سياسات واضحة، بل أصبح ممارسة اعتيادية: اختيار مكان الجلوس، طبيعة العلاقات، نوع الموسيقى، وحتى دوائر الخروج.
وتضيف خضر، أن هذه المساحات تعيد إنتاج الطبقية بشكل هادئ وغير صدامي، لكنها مع مرور الوقت تخلق مجتمعين داخل المجتمع الواحد، لكل منهما لغته وفنه ومساحاته الخاصة
.
صوت من الداخل.. “حسّيت إني في مكان مش معمولي”
يقول أحمد صلاح، 27 عامًا، موظف، في تصريح خاص لموقع “القصة“، إنه دخل أحد الكافيهات المعروفة في مناطق “إيجيبت” بالصدفة، لكنه شعر منذ الدقائق الأولى بعدم الترحيب.
ويضيف: “ماحدش قالي امشي، بس كل حاجة كانت بتقول كده، من النظرات لطريقة الكلام. حسّيت إني دخيل“، مؤكدًا أن شعوره لم يكن مرتبطًا بالأسعار، بقدر ما كان مرتبطًا بالإحساس بالاستبعاد، قائلًا: “طلعت حاسس إن في أماكن في بلدي مش معمولة ليا، رغم إني بدفع زيي زي غيري”.
في النهاية، لا تتعلق الحكاية بقهوة أو كافيه، ولا بنوع موسيقى أو شكل مكان، المسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بكيف أصبح المكان أداة صامتة لتحديد من ينتمي ومن يُقصى، ومن يُرحّب به ومن يُترك ليشعر بالغربة.