أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

المال السياسي.. حين يتحول الصوت الانتخابي إلى سلعة

لم يعد المال السياسي مجرد ظاهرة عابرة في الانتخابات، بل تحول إلى تهديد مباشر للديمقراطية، ونكبة سياسية تهدد جودة التمثيل البرلماني، فحين يصل المرشح إلى البرلمان عبر المال أو النفوذ العائلي دون كفاءة حقيقية، يصبح نائبًا ضعيفًا، عاجزًا عن الرقابة على السلطة التنفيذية أو أداء دوره التشريعي، فيتحول البرلمان إلى مبنى فاخر في العاصمة الإدارية الجديدة، بلا تأثير حقيقي في الحياة السياسية المصرية.

في كل موسم انتخابي تتكرر المشاهد نفسها: وجوه غابت عن الناس لسنوات، ثم تعود فجأة محمّلة بالوعود، بالتبرعات، وبرصف الطرق. قد تكون النية حسنة، لكن المواطنين باتوا يفسرون هذه “الخدمات” كدعاية انتخابية متخفية تحت شعار “الخدمة العامة”، العلاقة بين المرشح والناخب أصبحت علاقة موسمية، تبدأ مع الحملات الانتخابية وتنتهي مع إغلاق صناديق الاقتراع، لتعود من جديد بعد خمس سنوات، في دورة لا تنتهي من المال والنفوذ والتبعية.

المشروعات الكبرى والوعود الخيالية تملأ أحاديث المرشحين، لكن القليل يسأل: هل هي قابلة للتنفيذ؟ وهل يمتلك المرشح رؤية واقعية وبرنامجًا يمس حياة المواطن في التعليم والصحة والمعيشة؟ المعركة الحقيقية ليست في حجم الإنفاق ولا في عدد اللافتات، بل في وعي الناخب، السلاح الوحيد القادر على كسر دائرة المال السياسي والنفوذ العائلي.

أخبار ذات صلة

IMG-20260203-WA0138(1)
أمهات بلا أصوات.. النساء اللواتي لم يخترن الأمومة لكن عشنها حتى آخر العمر
السفير الفنزويلي
سفير كاراكاس بالقاهرة لـ "القصة": لا تصدقوا الرواية الأمريكية.. وفنزويلا تحكمها حكومة ثورية
تريزيجيه
الأهلي يسقط في فخ التعادل أمام البنك الأهلي ويبتعد عن صدارة الدوري

خلال زيارة عائلية لأسرتي في قرية ريفية بمدينة البلينا بصعيد مصر، طرحت تساؤلات على عدد من الأهالي العاملين في الزراعة — وهم العمود الفقري للقرى التي يعتمد عليها المرشحون في الانتخابات — عن أسباب اختيارهم لمرشحي البرلمان. جاءت الإجابات صريحة وصادمة: مزارع قال “هصوّت للي بييجي الفرح والعزاء”، وآخر أضاف أن الصوت الانتخابي يُباع بخمسمائة جنيه، بينما قال ثالث ضاحكًا: “ناخد الفلوس بس مش لازم نديهم صوتنا.”

مشاهد بسيطة لكنها تكشف بوضوح كيف فقد التصويت قيمته كموقف وطني، وتحول إلى صفقة وقتية، يختزل فيها المال السياسي معنى المواطنة والاختيار الحر.

القانون في ظاهره واضح: الهيئة الوطنية للانتخابات حددت سقف الإنفاق الدعائي بنصف مليون جنيه، ومنعت أي تبرعات أو وعود خلال فترة الدعاية. لكن الواقع مختلف؛ فهناك من أنفق الملايين في حملات ظاهرها “خدمة الناس” وباطنها شراء الأصوات، في مخالفة صريحة للقانون تمر تحت غطاء “العرف” أو ضعف آليات المحاسبة. هكذا تتعمق أزمة تطبيق القانون وتزداد قوة المال أمام غياب الردع الحقيقي.

ورغم ذلك، لا يزال هناك من يفهم معنى الخدمة العامة الحقيقي، أحد المرشحين في دائرة البلينا حاول التبرع برصف طريق قبل الانتخابات، لكن رئيس مجلس المدينة رفض، قائلاً: “اللي عايز يخدم البلد يقدر يخدمها في أي وقت، مش وقت الانتخابات.”

الخدمة الحقيقية لا ترتبط بموعد الاقتراع، ولا تحتاج إلى لافتة انتخابية، بل إلى نية صادقة واستمرار في العطاء بعيدًا عن المصالح الانتخابية.

المال السياسي لا يشتري الأصوات فحسب، بل يشوّه مفهوم التمثيل النيابي نفسه. فقد أصبح بعض المواطنين يقيسون النائب بمدى حضوره في الأفراح والعزاء أو تقديمه خدمات شخصية، لا بقدرته على التشريع والرقابة، حين يتحول البرلمان إلى ساحة للمجاملات والخدمات، يختفي دوره الرقابي، ويتحول إلى ديكور سياسي فاقد التأثير، ما يضعف الثقة بالمؤسسات الديمقراطية ويجعل البرلمان بعيدًا عن دوره الحقيقي كصوت للشعب.

في صعيد مصر، ما زالت “العائلات البرلمانية” تحتفظ برصيد اجتماعي وتاريخي يمنح أبناءها أفضلية واضحة، أصبح لدى البعض قناعة بأن الكرسي النيابي “حق موروث”، كما حدث في إحدى الدوائر حين قال الأهالي عن مرشحة: “سيبوها، ده الكرسي بتاع أبوها.”

تلك الظاهرة تعكس معركة أعمق — معركة وعي الناخب. فالمجتمع قد يتعامل بعاطفة القرابة والعادات، لكن الخطر الحقيقي في تحويل النفوذ الاجتماعي والثقة الشعبية إلى سلطة سياسية خالية من الكفاءة.

وفي أغلب الدوائر البرلمانية، خصوصًا في نظام القوائم، يتم اختيار المرشحين بناءً على رصيدهم الاجتماعي وقدرتهم المالية، لا على كفاءتهم التشريعية أو خبراتهم السياسية. وهنا تكمن أزمة الحياة السياسية المصرية: غياب المعايير الواضحة، وخلط بين الشعبية والخدمة العامة وبين الدور الرقابي والتشريعي الحقيقي للنائب.

ورغم كل ذلك، تثبت التجارب العالمية أن وعي المواطن أقوى من المال، ففي الولايات المتحدة، فاز الشاب المسلم الاشتراكي زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك رغم إنفاق خصومه 26 مليار دولار لإسقاطه. انتصر وعي الناخب على المال، ورفض المواطن أن يبيع حريته وكرامته، ليؤكد أن الضمير لا يُشترى، وأن الإرادة الشعبية أقوى من النفوذ المالي.

حتى في الشارع المصري، في المواصلات العامة والمقاهي والقرى، يتحدث الناس عن “سماسرة الأصوات” الذين يحاولون شراء بطاقات الناخبين بمبالغ زهيدة. ومع ذلك، لا تزال هناك مقاومة صامتة، ووعي يتشكل، هناك من يرفض بيع صوته رغم الحاجة، وهناك من يصوّت للأصلح لا للأغنى. فالمطلوب اليوم ليس قانونًا فقط يردع، بل وعيًا يصحّح. لأن الصوت الانتخابي شهادة أمام صندوق الاقتراع، ومن يبيع صوته يشارك في شهادة زور ضد الوطن.

الصوت الانتخابي لا يُقاس بالسعر، بل بالقيمة، لا تمنحه لمن يملك المال، بل لمن يملك ضميرًا حيًا وقدرة حقيقية على الدفاع عنك.

فالبرلمان القوي لا يُبنى بالفلوس، بل بالناس الواعين.

والوعي، والالتزام بعدم كتم شهادة الحق، والوفاء بالأمانة… كلها قيم لا تُشترى.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

أحمد منتصر
إيران وأمريكا.. انعطافة دبلوماسية حذرة على حافة التصعيد
أسماء جمال صحبة الأطفال
من التاريخ إلى منصات التتويج.. رحلة أسماء جمال من الشغف إلى الاحتراف
فريق الأهلي
بن شرقي أساسي.. تشكيل الأهلي لمواجهة البنك الأهلي بالدوري المصري
الشاعر السماح عبد الله
مهازل الليالي الشعرية في معرض الكتاب

أقرأ أيضًا

47c211bd-acf9-49bc-bdf2-0d9ee03719f5
جزيرة المتعة الحرام.. هل كان جيفري إبستين عميلا للموساد؟!
513eb0f4-e386-4fe2-918d-222bbba50312
فضيحة إبيستن.. كاريكاتير للفنان محمد عبد اللطيف
معرض القاهرة الدولي للكتاب
محرر "القصة" في معرض الكتاب.. 3 مشاهد و3 ملاحظات
dav
قبل الوداع.. أدباء ومبدعون يقرأون مشهد الإقبال على معرض الكتاب.. ثقافة أم ترفيه؟| 2