تحظى مفاوضات العاصمة العمانية مسقط، بين طهران من جانب وواشنطن من جانب آخر، باهتمام واسع، ليس إقليمي فقط بل على نحو عالمي، ولكن أين حدود ما يمكن أن تصل إليه، وهل نحن أمام منعرج جديد ومهم، له ما بعده، أم هي مراوحة في إطار توازنات مطلوبة تنتهي إلى تفاهمات مؤقتة.
تدخل أبعد من النووي
من جانبه، قال السفير رخا أحمد، مساعد وزير الخارجية السابق، إن المفاوضات التي تُجرى ما هي إلا مفاوضات تمهيدية لبحث الموضوعات التي يمكن مناقشتها والموضوعات التي لا يمكن أن تقبل إيران التفاوض بشأنها.
وذكر لـ”القصة” أن الموقف الأمريكي لا يلقى قبولًا من الجانب الإيراني، لأنه يريد التدخل في الشؤون الإيرانية بعيدًا عن الجانب النووي، سواء كان برنامج الصواريخ الباليستية أو علاقات الحرس الثوري الإيراني ببعض المنظمات في دول عربية مثل لبنان والعراق واليمن، وذلك ما تعتبره إيران تدخلًا في شؤونها الداخلية.
شروط تعجيزية
وأوضح “رخا” أن الجمعة عُقدت جلستان، وتُعد الجلستان بمثابة استطلاع لكيف تسير المفاوضات، وهل تستمر مفاوضات غير مباشرة، وهل هناك نوايا للولايات المتحدة الأمريكية أن تصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي، أم إنها سوف تُصر على مسائل تدرك مقدمًا أن إيران لن تتفق عليها، وبالتالي تدّعي أن من يعرقل الاتفاقات والمفاوضات هي إيران، وذلك ما سيتضح خلال الساعات القادمة.
وأردف “رخا” أن الولايات المتحدة الأمريكية لها الأجهزة الاستخباراتية الخاصة بها، ولها أعضاء في السفارة السويسرية في قسم رعاية المصالح، والذي يوجد في طهران، ولها دول عديدة منها أذربيجان، وهناك تعاون بينهما، وتستطيع الحصول على أي معلومات من خلالها.
خياران لا ثالث لهما
وأكد أن الهدف من التصعيد، سواء من الجانب الأمريكي أو الإسرائيلي، وإظهار أنهم في حالة استعداد للحرب، فإن رئيس الأركان الأمريكي كان من ضمن حضور المفاوضات، والهدف من ذلك هو الضغط على إيران، وإظهار أنه ليس هناك سوى خيارين: الأول ما تطلبه الولايات المتحدة الأمريكية، أو ضرب إيران.
وأشار إلى أن إسرائيل، حتى وإن كانت لها مخاوف بشأن اتفاق الإدارة الأمريكية مع إيران، فهي لا تستطيع فعل شيء دون ضوء أخضر من الولايات المتحدة الأمريكية بالقيام بأي عملية ضد إيران.
أين إسرائيل
واختتم “رخا” قائلًا إنه سيكون هناك رد عنيف من الجانب الإيراني تجاه إسرائيل في حالة القيام بأي عملية ضدها، وذلك ما شاهدناه خلال 12 يومًا، ومعظم الإعلام العربي أو العالمي لم يبرز الخسائر التي أحاطت بإسرائيل من الصواريخ الإيرانية، وأهمها وفي مقدمتها عدم أمان الإسرائيليين جميعًا كشعب.
وأكد أن الأزمات الاقتصادية لم تؤثر على استراتيجية إيران، لأنها بدأت ووضعها الاقتصادي صعب، ومن الفترة الأولى لترامب عندما انسحب من الاتفاق النووي كانت الظروف الاقتصادية لإيران صعبة للغاية، ومع ذلك لم تقبل إيران أن الولايات المتحدة الأمريكية من تحدد لها سياستها الخارجية أو السياسة الدفاعية.
مفاوضات لاختبار النوايا
من جانب آخر، قال الدكتور محمد محسن أبو النور، خبير في الشؤون الإيرانية ورئيس المنتدى العربي التحليلي، إن حقيقة المفاوضات الأمريكية – الإيرانية الجارية حاليًا لا تزال تدور في إطارها غير المباشر، وهي أقرب إلى مسار اختبار نوايا منه إلى عملية تفاوضية مكتملة الأركان، والطرفان يدركان أن العودة إلى اتفاق شامل بالصيغة السابقة أمر بالغ الصعوبة في ظل المناخ السياسي الداخلي في واشنطن وطهران معًا.
وأكد لـ”القصة” أن المحادثات تركز حاليًا على إدارة الأزمة وليس حلها، أي منع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، وضبط إيقاع التصعيد المتبادل، أكثر من السعي لاتفاق نهائي.
المفاوضات تستهدف بالأساس خفض التوتر
وأوضح أبو النور أنه حتى الآن، المؤشرات ترجح أن المفاوضات تستهدف بالأساس خفض التوتر وبناء تفاهمات مرحلية محدودة، وليس التوصل إلى تسوية شاملة.
وأشار إلى أن الحديث يدور عن “اتفاقات صغيرة” أو ترتيبات مؤقتة تشمل بعض القيود النووية مقابل تخفيف جزئي للعقوبات أو تسهيلات مالية وإنسانية، هذا النمط يعكس رغبة الطرفين في كسب الاستقرار المؤقت دون دفع كلفة سياسية كبرى داخليًا.
وأردف أن إيران تتعامل مع المفاوضات بوصفها أداة سياسية متعددة الأغراض، فهي من ناحية تدرك الحاجة الاقتصادية الملحة لأي انفراجة تخفف الضغط على الداخل الإيراني، ومن ناحية أخرى تحرص على عدم تقديم تنازلات استراتيجية جوهرية تمس برنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي، لذلك يمكن القول إن طهران تسعى إلى اتفاق، ولكن ليس بأي ثمن، وتستخدم المفاوضات في الوقت ذاته لكسب الوقت، وإدارة الضغوط، وتحسين شروطها التفاوضية.
مسار الاستخبارات الإسرائيلية
وتابع “أبو النور” أن إسرائيل دأبت تاريخيًا على توظيف المسار الاستخباراتي للتأثير في القرار الأمريكي بشأن إيران، والمعلومات التي عرضها نتنياهو والمؤسسات الأمنية الإسرائيلية تهدف بالأساس إلى إبراز أن إيران تقترب من “نقطة اللاعودة” نوويًا، ومع ذلك، فإن واشنطن لا تتعامل مع هذه المعلومات باعتبارها مسلمات مطلقة، بل تُخضعها لتقديراتها الخاصة، التي غالبًا ما تكون أكثر حذرًا وأقل اندفاعًا نحو الخيار العسكري مقارنة بالرؤية الإسرائيلية.
وقال محمد أبو النور إن في حال توصلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تفاهمات مع إيران لا تلبي المطالب الإسرائيلية، ستلجأ تل أبيب على الأرجح إلى مزيج من الضغوط السياسية والإعلامية.
العمليات السرية والاستخباراتية
وأردف أنه أيضًا ستلجأ تل أبيب إلى تكثيف العمليات السرية والاستخباراتية ضد إيران وبرنامجها النووي، كما ستسعى إسرائيل إلى توسيع هامش حركتها العسكرية المستقلة، دون الوصول إلى مواجهة شاملة ما لم تحصل على ضوء أخضر أمريكي أو تشعر بتهديد وجودي مباشر.
وقال إن الأزمات الاقتصادية في إيران تمثل عامل ضغط حقيقي، لكنها لم تكن تاريخيًا عاملًا حاسمًا في تغيير السلوك الاستراتيجي للنظام.
وأكد “أبو النور”، أن التجربة تشير إلى أن طهران تفضل تعديل التكتيكات وليس الاستراتيجيات، أي السعي لتخفيف الضغوط الاقتصادية عبر قنوات تفاوضية أو التفاف اقتصادي، دون التخلي عن ثوابتها الكبرى، ومع ذلك، فإن استمرار التدهور الاقتصادي قد يدفع إيران إلى مزيد من البراجماتية، لكن دون انقلاب جذري في توجهاتها الأساسية.