شيماء نور الدين
كان العيد يسمي في الهيروغليفية “حِبْ”. حروفها توحي في اللغة العربية بنسيج معقد من مشاعر المودة، بينما في الهيروغليفية نسيج من البهجة والسرور، ما قد يشير إلى أن أصل الحب بهجة.
عيد المصريين، لم يكن مجرد تاريخ أو يوم عابر ، بل كان “يومًا مقدسًا” للاحتفاء بالتوازن الإلهي للوجود، وكان تذكيرًا بحب المصري للحياة وتقديسه لها تمامًا كتقديسه لرحلة الموت والأبدية.
روح الاحتفال
على الرغم من السنين الفارقة بيننا وبين الحضارة المصرية القديمة، إلا أننا مازلنا نفعل، ما كانوا يفعلونه: نحن اليوم قبل العيد، نشتري ملابس جديدة وحلي و زينة، تمامًا مثلما كان المصري القديم يفعل منذ آلاف السنين.
كانت الأسواق المصرية قديمًا تضجُّ بالحركة، والكل يبحث عن أثوابٍ جديدة من أنقى الكتان الأبيض، و النساء يعكفن على التزيّن ببراعة؛ فيرسمن العيون بـ الكحل ويستخدمن الزيوت العطرية، و يتزينَّ بـ حُليٍّ تتلألأ كنجوم المساء.
ولائم العيد
كما نحن الآن نحتفل بقدوم العيد بتحضير بعض الوجبات و الحلوي الخاصة؛ كان المصري القديم يستقبل الأعياد بإعداد الوجبات و الحلوي الخاصة بالعيد اَيضًا.
تقضي العائلات أياماً في إعداد أصناف شتى من الحلوى واللحوم والأسماك، كانت الأجواء تمتلئ برائحة المخبوزات مثل الكعك الذي يُصنع خصيصاً لتلك المناسبات.
لم تكن مجرد وجبات أو ولائم ، بل كانت قرابين إمتنان و شكر للآلهة ، يتشارك فيها كل من الملك و الكهنة و باقي أفراد المجتمع ، لتعكس مجتمعاً قام بنيانه على الكرم و روح المشاركة.
سمفونية البهجة
كما أن ألحان أغنية ” يا ليلة العيد آنستينا” هي أول الألحان التي تحضر في أذهاننا حين يتم ذكر العيد، أيضًا كان المصري القديم ، يستقبل الأعياد بالأناشيد و الألحان المبهجة المميزة لهذه الليلة والتي تُستخدم للترحيب بالآلهة تعبر عن الروح المصرية تلك التحفة الفنية التي تمزج بين حياة منضبطة مليئة بالعمل الجاد وشغف مفحم بالفرح و البهجة و حب الحياة.
حين نتأمل تفاصيل حياتنا اليوم، ندرك أن ما نفعله اليوم ليس مجرد عادات؛ بل إنها موروثات عابرة للأزمان ، خالدة منذ قديم الأزل؛ ذلك لأن دماء أجدادنا الذين قدسوا الحياة و الممات لا تزال تجري في عروقنا.
وإننا نسير علي أثر أجدادنا، لنثبت للعالم أنه مهما تعاقبت القرون. سيظل القلب المصري قادرًا على خلق المزيد من العجائب والسحر الأبدي الذي لا يزول.
*شيماء نور الدين –باحثة في علم المصريات
