“حان الوقت لفتح معبر رفح مع أو بدون موافقة مصرية، والسماح لسكان غزة بالمغادرة”.. هذا جزء من تصريحات “قديمة متجددة”، بطلها وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش.. الذي وصف مصر بالدولة المعادية.
دولةً النبوءة
ما وراء ذلك الهجوم فكرة خطيرة، والأخطر… اللاهوت الذي يشعلها.
سموتريتش ليس مجرد وزير مالية، بل رمز لجيل متطرف جديد يريد دولة تشبه النبوءة، لا دولة طبيعية.
في خطابه الأخير أشار إلى “التيه”.. والتيه في التراث اليهودي ليس مجرد جغرافيا ضائعة، بل جغرافيا يُعاد تشكيلها وفق الرواية التوراتية.. لا الخرائط.
ومن هنا مصر كانت على الطاولة.. لا كعدو أو خصم بل كجدار صلب أمام الخرائط الجديدة والمخططات التي تحاك ضد الدول العربية.
اللاهوت السياسي!
هذه الأفكار ظهرت علنًا في عهد ترامب، عندما شعر اليمين الإسرائيلي المتطرف أن البيت الأبيض أصبح “مفتاح أبواب النبوءة”.
“مشكلة غزة ليست في غزة.. بل في مكان وضعها على الخريطة.”
اليهود عاشوا ٤٠ عامًا في التيه، واليوم يسعى اليمين لنسخة جديدة من التيه – ليس بالضرورة في سيناء، بل في مساحة تسمح بتفريغ قطاع غزة وإعادة توزيع سكانه.
هذه الأطروحة تسمى في العلوم السياسية: الهندسة السكانية.. وفي اللاهوت: استكمال النبوءة.
3 دول داخل إسرائيل!
داخل إسرائيل هناك ثلاث دول في دولة واحدة:
1. إسرائيل الأمنية: الجيش والشاباك والمخابرات.
2. إسرائيل التكتونية: اليمين الديني والمستوطنون والحاخامات.
3. إسرائيل البراغماتية: نتنياهو ورجال الأعمال.
سموتريتش ينتمي للثانية، ويحاول السيطرة على الأولى، ويستغل الثالثة.
لكن المؤسسة العسكرية ترى في الحكم العسكري الطويل لقطاع غزة فخ استنزاف، والشاباك يحذر من تهجير السكان، بينما نتنياهو يتبع مبدأ ” الغاية تبرر الوسيلة”.
نتنياهو البراغماتي!
نتنياهو، رغم ميوله البراغماتية، لا يمكنه تجاهل الضغوط المتصاعدة من اليمين الديني.
موقفه الحالي “برغماتي بامتياز”، فهو يدعم الإجراءات الاقتصادية والعسكرية المتشددة ، لكنه يحاول تجنب الانجرار لمغامرة واسعة قد تُرهق الجيش وتفتح مواجهة غير محسوبة.
بمعنى آخر، نتنياهو هو الحارس البراغماتي أمام الطموح اللاهوتي لسموتريتش وحلفاءه من اليمين المتطرف، لكنه يترك مساحة كافية للتيار الديني لاختبار حدود القوة، ما يجعل الهجوم على مصر اختبارًا للحدود السياسية والاستراتيجية، وليس مجرد تصريحات إعلامية عابرة.
العودة إلى التيه!
“لن ننتظر 20 سنة حتى نعود إلى غزة… لقد تهنا في الصحراء 40 سنة وليس في أرض إسرائيل.”
هذه الجملة ليست مجرد استعارة لكنها تبرير جغرافي–لاهوتي للسيطرة والاستيطان وحتى الطرد.. تبرير لعودة إسرائيل إلى غزة كأرض “يهودية بالكامل”.. والوقت الحالي يمنح اليمين الديني فرصة لاختبار حدود مشروعه.
لماذا الآن؟
الوقت حساس جدًا: الحرب فشلت في إخضاع حماس، والنقاش حول مستقبل غزة عاد بعد التهدئة، وصعود التيار الديني داخل الحكومة الإسرائيلية أعطى المساحة لصدمات علنية.. وإحباط المؤسسة الأمنية دفع سموتريتش للمجازفة، فظن أن الساحة مهيأة لتحقيق النبوءة.
سيناريوهات تنفيذ المشروع
1. التهجير البطيء: حصار وضغط إنساني متراكم، بدون صدام مباشر.
2. التيه الإداري: تحويل غزة إلى منطقة غير قابلة للحكم المدني.
3. الممرات الآمنة: فتح رفح باتجاه سيناء تحت غطاء “الإغاثة”، لتسهيل خروج الفلسطينيين.
4. الدمج الإقليمي: جعل القضية جزءًا من الإقليم، وليس على حدود إسرائيل فقط.
ولكن هناك حائط صد صلب أمام تنفيذ أي من تلك السيناريوهات.. جدار تاريخي منيع اسمه مصر.. ومن هنا جاء الهجوم الإعلامي على أرض الكنانة.
مصر.. جدار أمام النبوءة
مصر ليست مجرد دولة، بل جدار حضاري يمنع تنفيذ المشروع ويعترض التقسيم الجديد للمنطقة.
القاهرة هي المعضلة الوحيدة أمام مشروع متطرف طال انتظاره: دولة “إسرائيل الكبرى”.
الجغرافيا: أي تغيير في غزة يحتاج مساحة قريبة، ومصر هي هذه المساحة.
التوازن الإقليمي: بدون مصر لا توازن عربي، ولا رادع، ولا سند لمواجهة مشاريع المتطرفين.
اليمين المتطرف يعرف ذلك جيدًا ويخشاه، ويدرسه بعناية.
وبالتالي فإن الهجوم على مصر مدروس وموجه ضد الطرف الأقوى الذي يعيق تنفيذ “المشروع العقائدي”.
خطوط مصر الحمراء
مصر تتعامل مع قطاع غزة كملف أمن قومي وليس إنساني فقط:
• حماية الحدود وخطوطها الحمراء ثابتة.
• لا مساس بالحدود أو التفريط في ذرة رمال واحدة.
• لا قبول لتصفية القضية الفلسطينية أو تهجير سكان غزة.
الجيش المصري لا يقبل أي تعديل في التوازن الجغرافي أو السكاني لقطاع غزة.
ومصر السد الأخير أمام الخرائط المتطرفة واستكمال النبوءة اليمينية.
خارطة حرب؟!
تصريحات سموتريتش ليست مجرد “استهلاك محلي”، لكنها خارطة حرب سياسية–لاهوتية، لن تمر عبر غزة أو سيناء، ولن تُنفذ إلا إذا خرج الفلسطينيون.
والحقيقة الصادمة للمتطرفين: مصر تقف أمام تنفيذ الخرائط الجديدة، والوقت ضد النبوءة المتطرفة.
حفظ الله مصر أرضًا وشعبًا وجيشًا، وحفظ للعرب آخر جدار صامد أمام خرائط الوهم.