لا يوجد مبرر منطقي لإهمال مصر، وعدم اهتمامها بالسودان!
هذا الإهمال البين والمستمر على مدار نحو سبعين عام منذ قرر السودان مصيره بالاستقلال والانفصال عن مصر، بعد توقيع مصر مع إنجلترا في عام 1953 معاهدة سُمِّيت بمعاهدة الجلاء، كان ضمن بنودها بندًا كان يرفض الساسة المصريون التوقيع عليه، يسمح بانفصال السودان عن مصر.
هو إهمال يرقى لدرجة العمد، غير مبرر، إهمال أضرَّ ضررًا جسيماً بالأمن القومي لمصر والسودان معًا، وحصاد نتائجه الآن واضحة، فلدينا حوالي 5 مليون سوداني جاؤوا إلى مصر فارين من الحرب هناك، وسدّ مائي ضخم أقامته إثيوبيا على النيل يبتز ويهدد به الأمن المائي للبلدين مصر والسودان، وفي الأخير يجري الآن ما يشبه حرب إبادة وتجويع لأبناء إقليم دارفور غرب السودان، بعد استيلاء قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر أكبر مدنها وأهمها، وارتكابها ـ بأهلها ـ جرائم ضد الإنسانية، حيث جرت ولا تزال تجري عمليات تشريد وقتل للرجال والأطفال واغتصاب جماعي وتمثيل بالنساء.
إن استمرار مصر في إهمال السودان وغضها الطرف عما يحدث به، ستكون نتائجه المنطقية في ضوء ما مرَّ به السودان تاريخيًا من أحداث، مزيد من تقسيم أرضه، وتشريد وإفقار لشعبه، وإخلال وتهديد أكثر لأمن مصر القومي في الجنوب.
فالمتوقع طبعًا خلال قادم الأيام أن تتكالب دول العالم الطامعة على السودان، التي ستكون مثل الفريسة، التي يتصارع عليها وحوش الغابة الأقوياء، وسوف يضطر قادة السودان من أجل حماية أنفسهم، أو حماية ما تبقّى من بلادهم إلى تقديم مزيد من التنازلات للدول المتصارعة على افتراس أرضه وخيراته، سواء بمزيد من عمليات التقسيم والانفصال، أو بمنح تلك الدول أراضي وقواعد عسكرية أو أي امتيازات أخرى.
والملاحظة الجديرة بالذكر هنا، أنه عشية اجتياح قوات الدعم السريع لبلدة الفاشر كبري مدن دارفور، كان اجتماع قائد السلطة هناك الفريق البرهامي مع السفير التركي بالسودان فيما يمكن أن نعتبره استغاثة واضحة من السودان بتركيا وطلب المساعدة منها، وطبعًا لا شيء هناك سيكون مجانًا وبلا مقابل، وبالطبع سيكون هناك لقاء آخر لبرهامي مع السفير الأميركي ثم الصيني ثم الروسي .. الخ.
إن إنقاذ السودان ومنع تقسيمه ووقف جرائم مرتزقة وميليشيات عصابات حمدان دجلو، ومطامع الغير في دارفور وغيرها من أقاليم السودان، يتطلب عملًا جادًا فوريًا وسريعًا تتدارك به حكومتا مصر والسودان أخطاءهما التاريخية في حق أبناء وادي النيل.
فلماذا مثلا لا يتم تجنيد الشباب السوداني الموجود في مصر والدول العربية، وتدريبه عسكريًا، وعودته سريعًا للسودان تحت قيادة جيشه الوطني الموحد؟!
ولماذا لا تقوم جامعة الدول العربية بدورها في إنقاذ دولة هي عضو مؤسس بها وتدعم الجيش السوداني حفاظًا على أمنه وأمن الدول العربية وتماسك شعبه ووحدة أرضه، أليس هذا أحد بنود ميثاق تلك الجامعة؟
لا نريد أن نأتي بعد عشر سنوات، ونرى مزيدًا من حركات الانفصال والتقسيم في السودان، وسدودًا مائية على النيل هناك، نرجوكم لا نريد أن نأتي ونكرر ونقول أهملنا السودان، أهملنا أمننا القومي في الجنوب!
انقذوا ما تبقّى من السودان، انقذوا أمننا القومي في جنوب الوادي، غير ذلك، سيتحول السودان إلى فريسة تمزقها وتتقاسمها دول العالم القوية الطامعة، وهو ما سينعكس بلا شك سلبًا حالًا ومستقبلًا، على أمن مصر القومي.
كفى إهمالًا وتحركوا الآن وسريعًا قبل فوات الأوان.