أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

باريس الشرق تعود.. حكاية أقدم قلب ينبض في القاهرة

لم تكن القاهرة يوما مدينة عابرة في سجل العواصم، فكانت في القرن التاسع عشر تعيش حلمًا أكبر من شوارعها الضيقة وأسواقها العتيقة.

وحينما جاء الخديوي إسماعيل إلى السلطة، حمل معه طموحا مفاجئا في حجمه، يشبه تلك الأحلام التي تكتب أكثر مما تقال: أن يجعل مصر “قطعة من أوروبا”، وأن يبني في قلبها مدينة تنافس باريس نفسها. هكذا ولد مشروع “وسط البلد”، ليس كحي جديد فحسب، بل كفكرة حضارية كاملة، تعلن خروج القاهرة من ثوبها الوسيط إلى مدينة حديثة تفتح شوارعها بالمسطرة ويخطط عمرانها بعقلية هندسية لم تعرفها البلاد من قبل.

تحولات درامية

أخبار ذات صلة

حزب المحافظين
حزب المحافظين يبحث عن رئيس جديد.. وهؤلاء أبرز من ترشحوا
الهواتف الذكية
من جيوب المواطنين تحمي الحكومة صناعة لم تكتمل.. لصالح مَنْ نلغي إعفاء المحمول من الجمارك؟
images - 2026-02-12T220115
الجيش الإسرائيلي يعلن الانتهاء من وضع خطط مهاجمة إيران

شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تحولات درامية، ردمت المستنقعات، ورفعت التلال، وامتدت شوارع واسعة مستقيمة لم تعرفها القاهرة التي اعتادت الأزقة الملتوية. استدعى إسماعيل مهندسين من أوروبا، واستوحى تصميمه من البارون هوسمان الذي أعاد بناء باريس.

كانت الرؤية واضحة: مدينة جديدة، حديثة، متخيلة على الورق قبل أن تبنى على الأرض. فظهرت بنايات بواجهات كلاسيكية، وميادين واسعة، ومقاه أنيقة، وقصور تجارية وسكنية تتنفس الطراز الأوروبي. كان ذلك هو الميلاد الأول للقاهرة الحديثة.

مسرح لصور الحداثة

ومع بداية القرن العشرين، صارت وسط البلد مسرحا لكل صور الحداثة: سينمات كبرى مثل راديو و ديانا، مسارح، بنوك، فنادق، ومقاهي تعج بالشعراء والصحفيين والفنانين.

أما الشوارع كـ طلعت حرب، قصر النيل، الألفي، فقد حملت على أرصفتها مزيجا لافتا من البشر: طبقة أرستقراطية مصرية، جاليات يونانية وإيطالية وفرنسية، وموظفون ومثقفون وجدوا في هذا المكان فسحة للتفكير والعيش والتجربة.

لكن المدن، مثل البشر، تتبدل ملامحها بفعل الزمن والسياسة. بعد ثورة يوليو 1952، حدث التحول الأكبر ، غادرت كثير من العائلات الأجنبية، وتحول جزء من العمارات الراقية إلى مقار حكومية ومكاتب، وصارت الشقق المتسعة تقسم إلى وحدات أصغر.

ومع تراجع الطبقة الأرستقراطية وصعود طبقات جديدة، تغيرت طبيعة المكان. ومع الستينيات والسبعينيات، دخلت وسط البلد مرحلة ازدحام وفوضى عمرانية: لافتات ضخمة تغطي الواجهات، باعة جائلون يملؤون الأرصفة، مبان مهملة، وشوارع تفقد شيئا فشيئا بريقها القديم.

وفي التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، بدا أن المكان يقاوم السقوط. كانت ملامحه لا تزال رابضة على جدران المباني: شرفات الخشب، النوافذ الإيطالية، نقوش الباروك والآرت ديكو. لكن الإهمال ترك ثقله فوق كل تفاصيله. ظلت وسط البلد حيا جميلا لكنه جريح، ذاكرة حية لزمن لامع لا ينعكس على واقعه.

تطوير القاهرة الخديوية

ثم جاءت اللحظة الفارقة: في عام 2014، أطلقت الدولة مشروعا واسعا لإحياء “القاهرة الخديوية”. لم يكن مشروعا تجميليا بسيطا، بل خطة شاملة تهدف إلى إعادة المنطقة إلى رونقها الأصلي.

وضعت أجهزة متعددة بينها وزارة الإسكان ومحافظة القاهرة، وجهاز التنسيق الحضاري، وجهات خاصة مثل شركة الإسماعيلية للاستثمار العقاري خارطة عمل دقيقة لترميم المباني التاريخية وإحياء هويتها البصرية.

بدأ المشروع بحصر شامل للمباني التراثية، وتبين أن أكثر من 500 عقار يحمل قيمة تاريخية، بينها 217 مصنفة كتراث معماري واجب الحماية. تم تنظيف الواجهات، إزالة الإعلانات العشوائية، توحيد اللافتات، إعادة فتح الشرفات المغلقة، وإحياء ألوان المباني الأصلية. وفي شوارع مثل الألفي وسليمان باشا وميدان الأوبرا، تحولت الأرصفة إلى ساحات للمشي، واستعادت الحواري القديمة قدرتها على التنفس.

امتد التطوير ليشمل إنارة جديدة تبرز جمال الواجهات ليلا، وتطوير المراسي والممرات، وإعادة تأهيل ميادين رئيسية مثل التحرير، الذي أصبح رمزا بصريا بتمثاله الفرعوني ومساحاته المنظمة.

ورأى بعض السكان في المشروع محاولة لإعادة الروح إلى الحي الذي يحبونه، واعتبروا أن وسط البلد تسترد مكانتها الثقافية شيئا فشيئا. بينما أبدا آخرون مخاوفهم من أن التطوير قد يرفع الإيجارات ويقصي سكان المنطقة الأصليين، أو يغير طبيعتها الاجتماعية. لكن الجميع أجمع على أمر واحد: أن وسط البلد تستحق الإنقاذ.

واليوم، بينما تمشي في شوارعها، تستطيع أن ترى بوضوح ما يشبه استعادة للطفولة، هذه البنايات التي كبرت وعبرت عقودا من التاريخ، تعيد اكتشاف نفسها. باتت الشوارع أكثر وضوحا، والمباني أكثر بهاء، والمقاهي تعود لتستقبل مثقفين وطلابا وعابرين يبحثون عن رائحة الزمن الجميل. وحتى وإن بقي الطريق طويلا، فإن الخطوات الأولى قد أُخذت بثبات.

وسط البلد ليست مجرد منطقة في قلب القاهرة، إنها سجل حي لمئة وخمسين عاما من التحولات، وحكاية مدينة حلمت بأن تكون “باريس الشرق” ثم خاضت صراعها مع الزمن لتحافظ على روحها.

واليوم، بينما يستمر مشروع التطوير، تبدو القاهرة وكأنها تعيد ترتيب صورتها في المرآة. تستعيد ما فقد، وترمم ما تهدم، وتمنح سكانها وزوارها فرصة لرؤية التاريخ وهو يمشي بين مبانيها، صامدا، متجددا، وواثقا أنه لم يفقد مكانه بعد.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

صراع السيادة على الممرات.. هل تحول البحر الأحمر إلى ساحة حرب عالمية مصغرة؟
images - 2026-02-12T215656
استسلام جماعي.. أكثر من 100 مقاتل يسلمون أنفسهم للجيش السوداني بـ الأُبيض
المجالس المحلية
بعد تصريحات "مدبولي".. هل تعود المجالس المحلية الغائبة منذ 18 عامًا؟
محمد حماد
حين تُدار الدولة بلا سياسة

أقرأ أيضًا

images - 2026-02-12T193541
نتنياهو: ترامب الصديق الأكبر لإسرائيل.. وأفضل الرؤساء على الإطلاق 
ضضضيييييييييددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددد
"معالي الزميل" ضياء رشوان وزير الإعلام يكشف خطط وزارته ويرد على موقف "وزيرة الثقافة".. ماذا قال؟
ياسر جلال
النائب أم الفنان.. أي وجه لـ "ياسر جلال" نصدق؟
IMG_6858
حمزة عبد الكريم وعقده الغامض مع برشلونة.. تفاصيل تكشف لأول مرة