مع بداية الدورة البرلمانية الجديدة، وكما اعتدنا سوق الإعلام لهذا المجلس بأنه الأكثر كفاءة والأكثر تمثيلاً للشعب والأقدر على تلبية مطالبه وبأننا قطعاً أمام مرحلة جديدة من العمل البرلماني، وعلى الرغم من أن تلك الديباجة قيلت مراراً وتكراراً من قبل مع كل مجلس جديد وكانت النتيجة مخيبة للآمال فإن الأضواء باتت مسلطة على هذا المجلس وما سيقدمه من أداء وهل سيستطيع مناقشة أياً من القوانين المصيرية التي تمس حياة المواطن المصري بطريقة مباشرة أم أن تكون أكثر نقاشاته سخونة متعلقة بجنسية المدير الفني للمنتخب الأول لكرة القدم في كأس العالم القادم.
وبمناسبة هذه المرحلة الجديدة من العمل البرلماني، دعونا نتسائل “من باب الفضول البريء ليس إلا” لماذا يتشكل البرلمان في بلادنا؟
في كتب العلوم السياسية الإجابة واضحة وصريحة فالبرلمان والذي يفترض فيه أنه يعبر عن تمثيل شعبي حقيقي يتشكل من أجل القيام بدور تشريعي اضافة الى رقابته على السلطة التنفيذية، أما في واقعنا فسؤال مثل هذا لن تجد له إجابة شافية، والمفارقة أن البرلمان الذي يفترض أنه بيت السياسة الأول، يبدو في كل دورة أقرب إلى أقسام السكرتارية في المؤسسات الكبرى، ذات انضباط عال، ونبرة هادئة، وحساسية مفرطة تجاه أي صوت مرتفع.. حتى لو كان صوت السياسة نفسها.
وإذا إنتقلنا إلى الجلسة الافتتاحية للبرلمان في دورته الجديدة والتي شهدت انتخاب رئيساً له للمفارقة أنه لم يخض غمار الانتخابات بل تم تعيينه بالمجلس من قبل رئيس السلطة التنفيذية “التي سيراقب أداءها البرلمان”!
ولا عيب في التعيين من حيث المبدأ، فالدساتير في بعض الدول غالباً ما تترك “أبواباً خلفية” لمرور بعض الحالات الخاصة من خلالها، تماماً كأبواب الخدم في البيوت القديمة، غير أن الإشكال لا يكمن في التعيين ذاته لكنه يتفاقم حينما يتحول الاستثناء الى قاعدة والباب الخلفي الى مدخل رئيسي.
وبعيداً عن مبدأ التعيين والانتخاب فإن الرئيس الجديد لمجلس النواب المصري والذي عمل سابقًا في نيابة أمن الدولة العليا أمام اختبار حقيقي مع متطلبات منصبه الجديد والذي يتعارض بالكلية مع متطلبات منصبه السابق، فهل هو قادر على إدارة النقاش السياسي داخل البرلمان أم تطغى عليه مهارات التحقيق، هل يستطيع التفرقة بين مضبطة المجلس وملف القضية، والأهم هل يمتلك القدرة على تقبل الاختلاف في القضايا السياسية أم أنه سيكون قاطعاً في اتهام المختلفين معه بممارستها.
أسئلة كثيرة ربما لن تجد من يجيب عليها، فالمعطيات الثابتة تقودنا نحو نتائج ثابتة لن تتغير، ففي سلك النيابة السؤال له إجابة واحدة صحيحة بينما في السياسة من الطبيعي أن يكون للسؤال عشر إجابات.. وربما لن تجد له إجابة مطلقاً.
لكن على ما يبدو أن المنهجين قد اختلطا، وقد نجد أنفسنا أمام برلمان يناقش القوانين بروح “أثبت أو انكر”، لا بروح “اقنعني أو أقنعك” وبدلاً من أن يكون البرلمان ساحة لتصارع الأفكار والنظريات السياسية أصبحنا أمام برلمان يتصارع على مقاس البدلة التي سيرتديها نوابه بعد أن خلع ثوب السياسة تماماُ.
ولكي تكتمل الصورة، لن نندهش إذا ما وجدنا الأمين العام لحزب الأغلبية ورئيس كتلته البرلمانية ذو خلفية سابقة في العمل الأمني، ولا أحد هنا يعيب في “الخلفية”، لكن العيب أن تكون جميع الخلفيات “شبه بعضها” فحينما يكون رئيس المجلس بخلفية قضائية أمنية وقائد الأغلبية بخلفية أمنية، نتيجة لذلك تكون النقاشات محسوبة، والتصويت على أي مشروع قانون محسوم، فأين السياسة من هذا كله؟ فالسياسة هي فن الاختلاف وليست فن الاصطفاف، ويفترض في البرلمان “أي برلمان في الدنيا” سواء في الدول المتقدمة أو النامية، أن يقوم على ثلاثة أعمدة واضحة الأول تمثيل حقيقي للناس، والثاني حياة حزبية متصارعة “سياسياً لا أمنياً”.
ولعل الاعتماد المكثف على خلفيات غير سياسية في قيادة العمل البرلماني، يبعث برسالة مفادها أن السياسة منطقة محظورة.. ممنوع الاقتراب او التصوير او الانتظار، والنتيجة أحزاب ضعيفة ونقاشات باهتة ونائب يخشى من التقييمات الأمنية الدورية أكثر من خشيته أن يخطىء ويصيب في أداءه البرلماني، فالسياسي الحقيقي يخطىء فيتعلم من أخطائه ثم يراجع مواقفه، أما الموظف الممتاز جل ما يخشاه أن تدون ضده ملحوظة.
خلاصة القول، أن البرلمان القوي قد يشكل صداعاً مزمناً لكن للدولة الضعيفة فقط أما الدولة القوية لا تخشى من برلمان قوي، على العكس تماماً تعتبره كجهاز الإنذار المبكر، ومعمل للأفكار، لكن حينما يكون البرلمان مستأنسا وهادئاً ومطيعاً “زيادة عن اللزوم” وجب علينا جميعاً القلق إذ أن قوة أي برلمان في المساحة التي يشغلها الأصوات المختلفة بداخله الصوت الذي يقول “لا” بكل قوة دون خوف، الصوت الذي يعترض دون احتياج لتوزيع كتيب عن سابقة أعماله الوطنية، الصوت الذي يختلف دون تقديم ما يثبت حسن نيته لأن البرلمان الذي لا يعرف اختلافاً حقيقياً مثله مثل المسرحيات الهابطة التي يعرف جميع الحاضرين نهايتها إلا أنهم آثروا البقاء حتى النهاية وتحمل سخفها فقط لأن القاعة مكيفة الهواء.