قال المحامي والحقوقي ناصر أمين، مدير المركز العربي لاستقلال القضاء، إن الفتوى الصادرة عن مجلس الدولة بشأن اختصاص رئيس هيئة الدواء بتعديل جداول المخدرات، هي «فتوى خاطئة وغير ملزمة»؛ مؤكدًا أن الفيصل الوحيد في هذا الشأن هو نص القانون، وليس الفتاوى الاستشارية.

وجاء ذلك ردًا على سؤال حول الموقف القانوني لرئيس هيئة الدواء، بعد استناده إلى فتوى صادرة من إدارة الفتوى والتشريع بمجلس الدولة تُجيز له ممارسة اختصاصات كانت منوطة بوزير الصحة.
فتوى خاطئة ورأي غير ملزم
وأوضح أمين لـ “القصة”: أن هذه الفتوى، حتى وإن صدرت، تظل مجرد رأي غير ملزم؛ مشددًا على أن المحكمة الدستورية العليا قد حسمت الأمر بالفعل.
وأضاف أن المحكمة الدستورية، ورغم اطلاعها على هذه الفتوى، انتهت إلى اعتبارها غير قانونية وباطلة، وقضت بعدم دستورية القرار محل الطعن لصدوره من جهة لا تملك صفة الاختصاص؛ موضحًا أن القانون حدد صراحةً وزير الصحة باعتباره الجهة الوحيدة المختصة بإدراج المواد على جداول المخدرات. وأشار إلى أن الموقف جرى تداركه لاحقًا بصدور قرار جديد من وزير الصحة لتعديل الجداول.
فتوى مجلس الدولة منذ خمس سنوات
وجاءت هذه التصريحات على خلفية حصول جهات قانونية وإعلامية على وثيقة رسمية صادرة عن مجلس الدولة، تحمل رقم تبليغ (١٢٥٧) بتاريخ ٢ أغسطس ٢٠٢١، ملف رقم (٦٣٤/١/٥٨)، موجهة إلى رئيس مجلس إدارة هيئة الدواء المصرية؛ وتتعلق بتحديد الوزير المختص بتعديل الجداول الملحقة بالقانون رقم (١٨٢) لسنة ١٩٦٠ بشأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، وذلك في ضوء إنشاء هيئة الدواء المصرية بالقانون رقم (١٥١) لسنة ٢٠١٩.
وأفادت الفتوى، الصادرة عن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع، بأن هيئة الدواء حلّت محل وزارة الصحة والسكان في بعض الاختصاصات الفنية المتعلقة بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات الطبية والمواد الخام الداخلة في تصنيعها؛ وخلصت إلى اعتبار رئيس مجلس إدارة الهيئة هو «الوزير المختص» في تطبيق نص المادة (٣٣) من قانون مكافحة المخدرات، فيما يتعلق بتعديل جداول المواد المخدرة؛ وهو ما أثار جدلًا قانونيًا واسعًا.
حكم الدستورية بات وقاطع لايجوز الطعن عليه
وفي السياق ذاته، أكد المحامي طارق نجيدة، المحامي أمام المحكمة الإدارية العليا والدستورية العليا، أن الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا حكم «قاطع وبات ولا يجوز الطعن عليه بأي طريق»؛ مشددًا على أن أي فتوى أو تفويض إداري لا يمكن أن يُصحّح عوارًا دستوريًا كشف عنه حكم المحكمة الدستورية.
وأوضح نجيدة، في تصريحات لـ “القصة”، أن المشرّع نص صراحةً على أن وزير الصحة هو المختص بتعديل جداول المخدرات، ولم يمنحه حق تفويض هذا الاختصاص لأي جهة أخرى؛ مؤكدًا أن المسألة تتعلق بتجريم أفعال وتشديد عقوبات، وهو ما يمس الحريات العامة، ولا يجوز التوسّع فيه خارج النص الصريح للقانون.
وأضاف أن الأخطر هو “عدم رجعية القوانين” حيث من اليوم يجرم القانون هذه المواد والقضايا السابقة والوقائع التي استندت إلى مواد مخدرة مدرجة في قرار هيئة الدواء المصرية قبل اليوم “إدراجها من قبل وزارة الصحة” هم متهمون بمواد غير مجرمة لأن القوانين لا تطبق بأثر رجعي.
عدم دستورية جداول المخدرات
وتعود وقائع القضية إلى شكّ إحدى الدوائر الجنائية بمحكمة النقض في دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم (٦٠٠) لسنة ٢٠٢٣، الذي نقل مادة الميثامفيتامين المعروفة بـ«الشابو» من القسم الثاني إلى القسم الأول بجداول المخدرات، بما يترتب عليه تشديد العقوبة الجنائية.وعلى إثر ذلك، قررت الدائرة إحالة القرار إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستوريته.
ونظرت المحكمة الدستورية العليا الدعوى، وانتهت في حكمها الصادر إلى أن رئيس هيئة الدواء تجاوز حدود اختصاصه، معتبرةً أن مهامه تقتصر على الرقابة على الصيدليات وتداول الأدوية؛ بينما يُعد تحديد المواد المخدرة وتجريمها من المسائل الخطيرة التي تمس حقوقًا وحريات الأفراد، وقد أناط بها المشرّع وزير الصحة تحديدًا.وبناءً على هذا الحكم، اعتبرت المحكمة جميع القرارات الصادرة عن رئيس هيئة الدواء بشأن تعديل جداول المخدرات كأن لم تكن.
وزير الصحة يصدر تعديل جداول المخدرات
وعقب صدور الحكم، أصدر خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، قرارًا عاجلًا رقم (٤٤) لسنة ٢٠٢٦؛ يقضي باستبدال جداول قانون المخدرات القديم رقم (١٨٢) لسنة ١٩٦٠، في خطوة تهدف إلى تصحيح المسار القانوني وتنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا.
ورغم أن القرار جاء لترتيب الاختصاص التشريعي والتنفيذي في مسألة تعديل جداول المواد المخدرة، وتعزيز الرقابة الدوائية والأمنية، فإنه فتح تساؤلات واسعة بين المراقبين حول مدى جدية الدولة في مواجهة ظاهرة التعاطي والاتجار بالمخدرات، وآليات التنفيذ الفعلي، وكيفية ترجمة النصوص القانونية إلى حماية حقيقية للمجتمع.
وأكدت وزارة الصحة، التزامها الكامل بتنفيذ أحكام المحكمة الدستورية واستكمال الإطار القانوني المنظّم، في خطوة وُصفت بأنها الحد الأدنى من الإجراءات اللازمة لمواجهة أزمة متفاقمة تتعلق بالمخدرات وتأثيراتها على الأمن والصحة العامة.