الموت بين التنفيذ والحماية، هكذا بدت واقعة مقتل المحامية رشا فرحات، بعد تنفيذ حكم تمكين من مسكن محل نزاع ميراث بقرية تابعة لمركز نبروه في محافظة الدقهلية، حيث أنجز التسليم رسميًا بحضور القوة الأمنية، لكن مع انصرافها تجدد التوتر، ووقع اعتداء انتهى بإلقائها من الطابق الثالث ووفاتها متأثرة بإصابتها.
مأساة “رشا فرحات”
الواقعة تطرح سؤالًا جوهريًا: هل تنتهي مهمة الحماية بمجرد تنفيذ الحكم؟ المجني عليها لم تكن مجرد طرف في نزاع، بل محامية قتلت أثناء تطبيق حكم قضائي، بما يمنح الحادثة دلالة رمزية حول الحاجة إلى أمان ما بعد التنفيذ، خاصة في نزاعات الميراث التي قد تتصاعد سريعًا إلى العنف.
وفي هذا السياق، أكد المحامي الحقوقي مالك عدلي، أنه من الناحية الجنائية أن أي جريمة ترتكب ضد محامٍ خلال تأدية عمله تعتبر جريمة ارتكبت ضد هيئة المحكمة.
وأوضح “عدلي” لـ “القصة” أن الواقع العملي يشير إلى أن المحامين في مصر بحاجة إلى وسائل حماية فعلية خلال تأدية مهامهم، مشيرًا إلى أن المخاطر التي يتعرضون لها قد تصل إلى حد التهديد بالقتل أو “الإلقاء من السطوح” مثل ما حدث مع رشا فرحات، وهو ما يتطلب تدخل وزارة العدل والنائب العام ونقابة المحامين لتوفير إجراءات وقائية حقيقية.
وعن إمكانية تكرار مثل هذه الحوادث، أكد أن مثل هذه الوقائع تتكرر بالفعل، مشيرًا إلى أن ما حدث مع رشا فرحات كان أكثر بشاعة من المعتاد، ولكنه جزء من سلسلة التعديات المستمرة على المحامين، والتي تتطلب توفير حماية تنفيذية فعلية، وليس مجرد نصوص تشريعية تشدد العقوبات على من يعتدي عليهم.
وأوضح أن الحماية الفعلية يجب أن تشمل إشراف الجهات الأمنية خلال تنفيذ الأحكام، بحيث يأخذ المسؤولون في الاعتبار سلامة المحامي أثناء تنفيذ الحكم.
وفيما يتعلق بدور الأمن، أوضح عدلي أن حماية الأرواح لا تنتهي بمجرد تنفيذ حكم التمكين، مشيرًا إلى أهمية الأمن الوقائي الذي يسبق وقوع أي حادثة، مقارنة بالأمن الجنائي الذي ربما يقتصر على التحقيق بعد وقوع الجريمة، مؤكدًا أن الغرض ليس لوم أحد على التقصير، ولكن تسليط الضوء على حاجة المحامين إلى حماية فعلية، خاصة عند التعامل مع أطراف خطرة أثناء النزاعات القانونية.
وأشار “عدلي” إلى أن المشكلة ليست في نصوص القانون، بل في طبيعة مهنة المحاماة نفسها، كونها تتطلب التعامل مع قضايا حساسة ومع أطراف قد تشكل خطرًا على سلامة المحامين، موضحًا أن العقوبات التشريعية على التعدي على المحامي مشددة، لكنها لا توفر الحماية العملية.
وحول كفاية العقوبات الحالية لردع الجرائم المشابهة، قال عدلي إن القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد يُعاقب عليه بالإعدام، وأن الجريمة التي تقع على محام تعد كأنها ارتكبت على هيئة المحكمة، مما يشدد العقوبة، لكنه أشار إلى أن ذلك لا يعيد الحياة للضحايا، مثل المحامية رشا فرحات، وما زال الأمر بحاجة لإجراءات حماية فعلية أثناء تأدية العمل القانوني.
وأكد عدلي، أن مثل هذه الوقائع لا يجب أن تخيف المحامين أو المواطنين عند المطالبة بحقوقهم، مشيرًا إلى أن بعض المخالفين أو المعتدين لن يمنعوا المحامين أو الأفراد من الدفاع عن حقوق الناس، وأن الواجب يتمثل في التركيز على تعزيز الأمن الوقائي وتحسين متابعة الحالات في الشوارع، دون أن يشكل ذلك عامل تخويف للمطالبة بالحقوق.
وشدد عدلي على ضرورة توفير حماية فعلية للمحامين أثناء تأدية مهامهم، بما يشمل تدخل الجهات الأمنية واتباع إجراءات واضحة لضمان سلامتهم، وذلك لضمان عدم تكرار مثل هذه الجرائم المأساوية في المستقبل.
من جانبه، قال الدكتور جمال فرويز، أخصائي علم النفس، إن المجتمع المصري يمرّ حاليًا بما وصفه بـ “مرحلة الانهيار الثقافي”.
وأوضح “فرويز” أن الانهيار الثقافي يعني وجود ازدواجية دينية واضحة، حيث يلتزم بعض الأفراد بالمظاهر الدينية، مثل وضع المصاحف والأناجيل على المكاتب، وتشغيل الآيات القرآنية والأناجيل، وارتداء الخمار والنقاب وحمل الصليب، بينما يغيب تطبيق قيم الدين عمليًا في الحياة اليومية، خصوصًا فيما يتعلق بموضوع الميراث، ما يؤدي إلى نزاعات وطمع فردي.
وأشار “فرويز” إلى أن الخلافات الميراثية تمثل انعكاسًا لهذا الانهيار، موضحًا أن كل طرف يفسر حقوقه وفق رؤيته الشخصية، ويبرر لنفسه الحصول على أكبر قدر ممكن، دون الالتزام بتقسيم الحقوق كما حددها الشرع، قائلا: “أنا لا أعرف من له الحق أو من ليس له الحق في هذه المشكلة العائلية، ولكن لو تم تقسيم الميراث بما يرضي الله، لما ظهرت كل هذه الخلافات”.
وأضاف “فرويز” أن هذه النزاعات تكشف عن انهيار أخلاقي وسلوكي واجتماعي، حيث تقل قيمة الإنسان وتضعف العلاقات داخل الأسرة والمجتمع، كما ظهر في مشاجرات أخوة زوج رشا حول الميراث، مؤكدًا أن الشعور بالظلم الشديد والغضب والحنق قد يدفع الإنسان إلى دوافع انتقامية مؤقتة تتجاوز السيطرة العقلية، وهو ما وصفه علماء النفس بـ”العقل المجنون” أو Crazy Mind، إذ يفقد الإنسان السيطرة على تفكيره للحظات ويرتكب أفعالًا يندم عليها لاحقًا، وهذه الظاهرة أكثر وضوحًا عند الشخصيات الانفجارية سهلة الاستثارة.
وأوضح “فرويز” أن انتشار الاضطرابات النفسية في مصر زاد خلال العشرين سنة الأخيرة نتيجة عوامل متعددة، منها الانهيار الثقافي، والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وجائحة كورونا، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، والمسلسلات التي تحض على الكراهية والعنف، مضيفًا أن اضطرابات الشخصية تتأثر بنسبة 70%–80% بالتربية في الصغر، و10%–15% بالوراثة الجينية، و10%–15% بالخبرات الحياتية، وهو ما ساهم في زيادة حالات العنف داخل الأسرة والمجتمع، مثل قتل الأبناء لأمهاتهم، والزوجة التي تقتل زوجها أو تخونه، وتخلي الأب عن أبنائه، أو العكس.
ودعا “فرويز” إلى ضرورة اتخاذ قرارات حاسمة لمعالجة هذه الظواهر النفسية والاجتماعية، معربًا عن أمله في أن تنجح الجهود المستقبلية في مواجهة هذه التحديات بما يضمن حماية الأسرة والمجتمع من آثار الانهيار الثقافي والانفلات السلوكي.
وفي نفس السياق، قال الدكتور سعيد صادق، أخصائي علم الاجتماع، إن النزاعات المتعلقة بالأراضي والمساكن في مصر غالبًا ما تكون عنيفة وصعبة التنفيذ.
وأوضح “صادق” أن تنفيذ الأحكام القضائية يواجه تحديات كبيرة، إذ يلجأ بعض الأطراف إلى استخدام “البلطجة” لمهاجمة خصومهم أو منع تنفيذ الحكم، مما يؤدي أحيانًا إلى إصابات بالغة أو حالات وفاة.
وأشار إلى أن الإجراءات القانونية الحالية لا توفر حماية كافية، فبعد مغادرة الشرطة، يعود الخصوم لمهاجمة المتضررين، مؤكدًا ضرورة استدعاء الأطراف المنافسة وأخذ تعهدات بعدم الاقتراب أو الاعتداء لضمان تنفيذ الحكم بشكل آمن.
وأكد “صادق”، أن المرأة في هذه الحالات غالبًا ما تضطر للدفاع عن نفسها، خاصة أن المنزل يمثل لها مصدر الحماية الأساسي، خصوصًا عند وفاة الزوج، حيث تصبح معرضة للطرد أو الاعتداء.
وأضاف أن النزاعات المتعلقة بالميراث في بعض المناطق الريفية غالبًا ما تأخذ طابعًا ثأريًا وقبليًا وانتقاميًا، نتيجة عدم وجود نظام مرن يتيح للأفراد خيارات متعددة لتوزيع الميراث، إذ يعتمد القانون المصري على الشريعة الإسلامية كنظام إجباري، دون أي مرونة، ما يؤدي إلى تصاعد النزاعات.
وأشار “صادق” إلى أن هذا الوضع يزيد من حدة الخلافات، إذ يرفض بعض الأفراد الالتزام بالتقسيم الشرعي، بينما يسعى آخرون للحصول على أكبر قدر ممكن من الممتلكات، الأمر الذي يفاقم الصراعات العائلية، مضيفًا أن حالات سرقة الميراث غالبًا ما يقوم بها الأقارب من الأعمام والخال، مما يزيد المشكلة تعقيدًا.
كما لفت “صادق” إلى أن الضغوط الاقتصادية تؤثر بشكل مباشر على حدة النزاعات، فارتفاع أسعار العقارات والسكن يجعل الحصول على منزل أمرًا ذا أهمية قصوى، ويؤدي إلى تصعيد النزاعات بين الأطراف المتضررة.
وأشار “صادق” إلى أن ضعف تطبيق القوانين وتقصير مؤسسات الأمن يؤديان إلى تفاقم المشكلة، موضحًا أن غياب الشرطة أو عدم متابعتها أثناء تنفيذ الأحكام يتيح لخصوم المتضررين ارتكاب اعتداءات، كما ظهر في حالات مشابهة حيث أصيب أشخاص بإصابات خطيرة أو توفوا نتيجة هجمات بعد مغادرة قوات الأمن.
وأكد “صادق” أن ثقافة البلطجة والعنف في مصر ليست مقتصرة على نزاعات الميراث فقط، بل تشمل المرأة والأقليات الدينية، وتصل إلى الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، مع وجود قصور واضح في أجهزة الضبط القانونية.
وأوضح صادقة أن المجتمع غالبًا ما يقلل من خطورة الخلافات العائلية، مع استمرار التمسك بالمظاهر الدينية الشكلية، مثل الصيام وارتداء الرموز الدينية، بينما تغيب القيم الأخلاقية والسلوكية في الحياة اليومية، وهو ما يعكس أزمة عميقة في الثقافة والسلوك الاجتماعي.
وأكد “صادق” أن هذه الظواهر تشير إلى وجود أزمة حقيقية في تطبيق القانون والأخلاق في مصر، داعيًا إلى ضرورة إصلاح المنظومة القانونية لضمان حماية حقوق المرأة والممتلكات، وضمان تنفيذ الأحكام القضائية بكفاءة، لتفادي تكرار مثل هذه الحوادث المأساوية.