في ظل تزايد التوترات الإقليمية، صدر البيان السعودي الأخير ليؤكد ثوابت المملكة في دعم سيادة اليمن واستقراره، ورفض أي تدخل خارجي يهدد وحدة الدولة.
لكن البيان لم يكن مجرد إعلان دبلوماسي عادي، بل جاء بلغة دقيقة ومفصلة، تفتح باب التساؤلات حول دوافع التحرك العسكري السعودي في جنوب اليمن، خصوصاً بعد الهروب المفاجئ لعيدروس الزبيدي، زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى الإمارات عبر أراضي الصومال.
في هذا السياق، تواصلت “القصة” مع السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، والدكتور مختار غباشي، المحلل السياسي، لتقديم قراءة في البيان السعودي الأخير، الذي أكد ثوابت المملكة في دعم سيادة اليمن واستقراره ورفض أي تدخل خارجي.
كما قدّما إجابة واضحة حول ما إذا كانت السعودية توجّه اتهاماً غير مباشر للإمارات، وإمكانية تأثير هذا الوضع على اليمن والمنطقة، واحتمالات التصعيد العسكري السعودي.
بيان سعودي لتوضيح التدخل العسكري في اليمن
أكد السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن سبب إصدار البيان السعودي الأخير يعود إلى تفسير دوافع تدخل المملكة العربية السعودية عسكرياً في جنوب اليمن.
وأوضح لـ”القصة” أن هذا التدخل لا يهدف إلى السيطرة أو تحقيق مصلحة سعودية خاصة، بل يأتي انسجاماً مع مبادئ أساسية تهدف إلى الحفاظ على سيادة اليمن وسلامته واستقراره، ومنع أي تدخل خارجي يسعى إلى إحداث انقسام داخل الدولة.
وأشار إلى أن البيان يلمّح بوضوح إلى طرف معيّن كان يقود المجلس الانتقالي، الذي يسعى إلى انفصال الجنوب عن الشمال، مؤكداً أن التطورات الأخيرة، ومن بينها هروب عيدروس الزبيدي، زعيم المجلس الانتقالي، ومعه وزير آخر كان مقالاً ومطلوباً للمحاكمة، تعكس الحاجة إلى تأكيد موقف المملكة واستعدادها لعقد مؤتمر للجنوب في الرياض، إذا تيسّر ذلك، لاحتواء الأزمة والعودة إلى الاستقرار في محافظات الجنوب.
تأثير الأحداث على العلاقات الإقليمية
أوضح السفير أن التدخل العسكري السعودي لا يعني بالضرورة تأثيراً مباشراً في العلاقات بين السعودية والإمارات، مشيراً إلى أن الوضع في اليمن لا يزال قيد السيطرة السياسية والعسكرية، سواء من خلال الجيش التابع للحكومة الشرعية في عدن أو بدعم من السعودية.
وأضاف أن القوات الإماراتية انسحبت بناءً على طلب الحكومة الشرعية، وكذلك بعد طلب سعودي بسحب قواتها خلال 24 ساعة، ما يجعل التأثير على التحالف العربي ومجلس التعاون الخليجي محدوداً، مع التأكيد أن انسحاب الإمارات لا يضعف إجماع المجلس على دعم الشرعية.
وأكد أن أحداثاً سابقة، مثل ضبط باخرتين إماراتيتين تحملان أسلحة ومعدات عسكرية وعربات مدرعة موجهة إلى المجلس الانتقالي، تلقي بظلالها على المشهد، وتبرز أهمية توجيه التحركات وفق مبادئ واضحة للحفاظ على الأمن والاستقرار.
هروب الزبيدي كوسيلة لتخفيف الاحتقان
أضاف السفير أن هروب عيدروس الزبيدي ووزير آخر رافقه إلى أراضي الصومال أولاً، ثم إلى الإمارات، تم بطريقة منظمة تتماشى مع الممارسات السياسية الدولية المعروفة بمبدأ “الخروج الآمن”، مؤكداً أن هذا الإجراء يهدف إلى تخفيف الاحتقان وإبعاد الشخص الذي يقود المواجهة في مرحلتها الأولى، تمهيداً للتفاوض مع الأطراف الأخرى لاحقاً.
وأشار إلى أن طبيعة اليمن تجعل المتابعة الشخصية أكثر فاعلية من الاعتماد على وسائل الاتصال التكنولوجية، حيث تنتقل الأخبار بسرعة عبر الأفراد، ما يسهل تتبع تحركات المسؤولين الفارين.
التهدئة مقابل استمرار الصراع
أكد السفير أن التدخل السعودي لا يشير إلى تصعيد مباشر من جانب المملكة، موضحاً أن المجلس الانتقالي قرر تهدئة القتال والتوقف عن العمليات. لكنه أشار إلى أن استمرار الصراع يرتبط بمخاوف بعض الأطراف من المثول أمام المحاكمة، وفي هذه الحالة قد يتم القبض عليهم أو التوصل إلى هدنة تقوم على نوع من التراضي بين الأطراف.
الوضع الإقليمي والدولي المعقد
من جانبه، قال الدكتور مختار غباشي، المحلل السياسي، لـ”القصة”، إن الوضع في المنطقة مرتبك بالكامل، إقليمياً ودولياً، مشيراً إلى أن أحداث اليمن خلقت إشكالية كبيرة، كما زادت الأوضاع في فلسطين ولبنان من تعقيد المشهد، إلى جانب الصراع في سوريا، والتوترات في السودان وليبيا، ما يجعل المنطقة بأكملها على صفيح ساخن.
وأضاف أن البيان السعودي يأتي ضمن ثوابت السياسة السعودية في التعامل مع الملفات المتشابكة، مؤكداً أن الوضع العام لا يرتبط ببيان سعودي أو مصري بعينه، بل يحتاج إلى آلية عربية مشتركة للتعامل مع هذه القضايا بما يحقق المصالح العربية الجماعية. وأوضح أن السعودية، باعتبارها دولة محورية، قادرة على طرح المبادرات، لكنها تحتاج إلى إجماع عربي لتنفيذ أي آلية على أرض الواقع.
الملفات الشائكة وتأثيرها على الأمن الإقليمي
أوضح غباشي أن زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى أرض الصومال وما يرتبط بها من تطورات تثير القلق بشأن أمن البحر الأحمر وحركة الملاحة البحرية، مؤكداً أن هناك ملفات إقليمية معقدة لا يمكن التعامل معها بموقف سعودي منفرد، بل تتطلب توافقاً بين الدول العربية الكبرى المؤثرة.
وأضاف أن للإمارات مصلحة مباشرة في المشهد، خاصة أن الزبيدي ووزيراً آخر فرّا من اليمن إلى أرض الصومال ثم إلى الإمارات، مشيراً إلى أن الخلاف بين الرياض وأبوظبي ارتبط بآليات تدخل القوات الإماراتية ومركباتها التي ضُبطت في أحد الموانئ السعودية محمّلة بالأسلحة، ما دفع السعودية إلى منح الإمارات مهلة 24 ساعة لسحب قواتها، وهو ما خلّف تداعيات مستمرة في المشهد اليمني.
اليمن بين التوتر والاحتواء
قال غباشي إن الوضع في المنطقة شديد الاشتعال، واصفاً المشهد اليمني بـ”الشائك”، نظراً لتعقيد آلياته. وأكد أن السعودية طرف رئيسي في التحالف العربي ولها دور محوري في إدارة الأزمة، لكنه شدد على أن المشهد اليمني لم يهدأ بعد، وقد تظهر انعكاسات جديدة خلال الأيام المقبلة.
واختتم حديثه، قائلاً: إن السعودية موجودة عسكرياً في اليمن، وإن أي تصعيد محتمل يرتبط مباشرة بالمخاطر التي تشكلها تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي، ولا سيما محاولاته إعلان دولة جنوبية، وهو ما ترفضه المملكة بشكل قاطع. وأضاف أن أي تصعيد عسكري أو تدخل سعودي يظل وارداً، وقد يشتد إذا تعقدت الأوضاع داخل اليمن.
هل تنجح الدبلوماسية السعودية في احتواء الأزمة اليمنية؟
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن الوضع في جنوب اليمن لا يزال هشّاً ومعقداً، حيث تسعى المملكة العربية السعودية، من خلال بيانها الأخير، إلى تأكيد موقفها الداعم لسيادة اليمن واستقراره ورفض أي تدخل خارجي، مع مراعاة تشابك المخاطر الإقليمية.
وأشار السفير رخا أحمد حسن والدكتور مختار غباشي إلى أن الهروب المفاجئ لعيدروس الزبيدي وما صاحبه من انسحابات وتحركات عسكرية يعكس حساسية المشهد، وأهمية تحقيق توازن دقيق بين استخدام القوة والوساطة السياسية.
ويبقى السؤال الأبرز: هل ستنجح المملكة في احتواء الأزمة عبر الدبلوماسية والمبادرات الإقليمية، أم أن تصاعد التوترات العسكرية في الجنوب سيجعل المنطقة أكثر سخونة خلال الفترة المقبلة؟