في غرف العمليات المظلمة، لا يُسمع صوت الرصاص، بل طنين المبردات وصوت لوحات المفاتيح هناك، تُدار حروب “نهاية العالم” الرقمية، لم تعد السيادة اليوم تُقاس بمساحة الأرض، بل بحجم “الداتا” وسرعة المعالجات.
في هذا الحوار المعمق لـ “القصة”، يفتح لنا الدكتور هشام الناطور، خبير الأمن السيبراني، الصندوق الأسود لـ “الحروب الهجين” التي تضرب الشرق الأوسط، كاشفاً كيف تحولت التكنولوجيا من أداة مساعدة إلى “جنرال” يقود المعارك، وكيف أصبح لبنان وإيران حقول تجارب لأخطر ما أنتجه العقل البشري من أسلحة رقمية.
أسطورة “الحصن المنيع”: كيف سقط النووي في فخ “الـ USB”؟
يستهل الدكتور هشام الناطور حديثه بنسف القناعات الكلاسيكية حول الأمن القومي، فرغم ما تمتلكه إيران من قدرات سيبرانية هجومية ودفاعية متقدمة تضعها ضمن “نادي الكبار”، إلا أن الواقع يثبت عدم وجود نظام “مستحيل الاختراق”، يوضح الناطور أن الصراع غير متكافئ جوهرياً؛ فالغرب، بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا، هو من وضع حجر الأساس لهذه التقنيات ويمتلك مفاتيحها الأصلية.
ويكشف الناطور عن ثغرة “العامل البشري” التي تكسر أقوى أنظمة الحماية فالدول الحساسة تلجأ لما يُعرف بـ (Air-gapping) أو فصل الشبكات العسكرية والنووية تماماً عن الإنترنت، لكن حتى هذا الحصن سقط، ويشرح الناطور تكتيك “الزراعة الفيزيائية”؛ حيث يتم تجنيد أو اختراق موظف داخل منشأة ذرية ليزرع جهاز “USB” صغيراً هذا الجهاز ليس مجرد ناقل للبيانات، بل هو “محارب رقمي” مدعوم بالذكاء الاصطناعي، مدرب على دراسة سلوك الأنظمة المعقدة ومهاجمتها ذاتياً دون الحاجة لاتصال خارجي، وهو ما يفسر الانفجارات الغامضة التي تضرب المنشآت الإيرانية دون أن يرصد الرادار طائرة واحدة.
الحرب الهجين.. عندما يمهد “الكود” للطريق أمام الصاروخ
ينتقل الناطور إلى مفهوم “الحرب الهجين” (Hybrid Warfare)، مؤكداً أنه من النادر وقوع حرب تقليدية اليوم دون تمهيد سيبراني، تبدأ المعركة بالتجسس الرقمي، ثم الهجوم لتعطيل الرادارات والدفاعات الجوية وشل اتصالات الخصم، بالتزامن مع القصف العسكري، ويستشهد بما حدث في إيران من تعطيل لشبكات الصرف الصحي والمياه عن بُعد، ما أدى لأزمات ري حادة في طهران، مؤكداً أن هذه لم تكن أعطالاً فنية، بل “خروقات سيبرانية” استهدفت البنية التحتية لإضعاف الجبهة الداخلية قبل أي تحرك عسكري.
ويضيف: “الحرب التقليدية مكلفة، بطيئة، ونتائجها دمار مادي واضح للمهاجم والمستهدف أما الحرب السيبرانية، فهي عابرة للحدود، تعتمد على كودات خبيثة، وتتميز بصعوبة تحديد الجاني (Attribution) بسبب أساليب التخفي التي تجعل الدولة المهاجمة تنكر صلتها بالحادث تماماً”.
لبنان في “الفخ الرقمي”: التشويش كإنذار بالموت
في الشق اللبناني، يرسم الناطور لوحة قاتمة للواقع التقني. يوضح أن اللبنانيين باتوا يعيشون “حرب أعصاب رقمية” يومية فالتلاعب بإشارات الـ “GPS” الذي يجعل المقيم في بيروت يرى نفسه افتراضياً في القاهرة أو عمان، ليس خللاً تقنياً عابراً، بل هو “تشويش عسكري” مكثف يهدف لشل حركة المسيرات وتمرير عمليات اغتيال أو قصف نوعي.
ويحذر الناطور من “سيناريو العزلة التامة”، فلبنان يعتمد تقنياً على كابلين بحريين فقط، أحدهما شبه معطل “نحن نعيش على خيط رفيع”، يقول الناطور، موضحاً أن أي عبث بهذا الكابل الوحيد سيحول لبنان إلى “صندوق مغلق” معزول عن العالم هذا التهديد هو ما دفع الدولة اللبنانية مؤخراً لمحاولة تزويد المؤسسات الحكومية بخدمة “ستارلينك” كخيار طوارئ، لتجنب المصير الذي واجهته غزة أو أوكرانيا عند قطع الاتصالات التقليدية.
“التزييف العميق”.. اغتيال الحقيقة قبل الرصاص
ينتقل الحوار إلى منطقة شديدة الخطورة: “حرب المعلومات” يحذر الناطور من تقنيات “التزييف العميق” (Deepfake) التي وصلت إلى درجة تطابق مع الواقع بنسبة 99%، و يشير إلى الجدل حول فيديوهات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، مؤكداً أننا دخلنا عصر “تزييف الأوامر العسكرية”.
و يقول الناطور: “يمكن للذكاء الاصطناعي فبركة فيديوهات لقادة يأمرون بالاستلام، أو جرائم حرب وهمية لاستفزاز ردود فعل دولية، مما يخلق حالة من الفوضى والشك داخل الصفوف العسكرية”، ويضع الخبير السيبراني روشتة للمدنيين لكشف هذا الزيف: “راقبوا حركة الشفاه، وتنسيقها مع الصوت، وترميش العيون، والتشوهات الدقيقة حول الأذنين؛ فالذكاء الاصطناعي لا يزال يفشل في محاكاة التفاصيل البشرية غير المنتظمة بدقة كاملة”.
الذكاء الاصطناعي كـ “شريك قرار”.. هل فقدنا السيطرة؟
يثير الناطور قضية أخلاقية وقانونية كبرى، وهي استخدام الذكاء الاصطناعي في اتخاذ قرارات القصف والاغتيال فبينما يساعد الذكاء الاصطناعي في تحسين اللوجستيات وسلاسل الإمداد العسكرية وتحليل بيانات الأقمار الصناعية في الوقت الفعلي، إلا أن خطورته تكمن في “غياب المراجعة البشرية”.
يقول الناطور بأسى: “التشريعات الدولية تتأخر سنوات ضوئية عن التطور التقني نحن نرى دولاً تستخدم خوارزميات للتعرف على الوجوه واستهداف الأشخاص، ومع أي خطأ تقني، يروح ضحيتها أبرياء دون وجود مسؤول بشري يحاسب على هذا القرار”.
لبنان المأزوم.. أغلى فاتورة وأسوأ خدمة
ويختتم الدكتور هشام الناطور حواره بمرارة حول الواقع اللبناني الداخلي، فبجانب التهديدات الخارجية، يعاني الأمن السيبراني اللبناني من “انهيار هيكلي” غياب الصيانة، انقطاع الكهرباء، وتدمير أبراج الإرسال في الجنوب والبقاع زاد من عزلة هذه المناطق.
ويكشف الناطور عن مفارقة مؤلمة: “لبنان يمتلك أغلى فاتورة هاتف وداتا في العالم أو على الأقل في الشرق الأوسط، مقابل أسوأ خدمة تقنية”، هذا الواقع أدى لهجرة العقول التقنية اللبنانية التي تبدع في الخارج حين تتوفر لها البنية التحتية، بينما يبقى الداخل عرضة لعمليات النصب والاحتيال الرقمي وانتحال الصفة عبر المحافظ الإلكترونية، في ظل غياب التوعية والأمن المصرفي المتماسك بعد أزمة 2019.
رسالة الناطور الأخيرة كانت واضحة: “في عالم 2026، من لا يملك الداتا والرقائق، لا يملك قراره السيادي، نحن نعيش في عصر تكون فيه النقرة على لوحة المفاتيح في واشنطن أو بكين، قادرة على إظلام مدن كاملة في الشرق الأوسط”.