كل مرة تندلع فيها حرب، لا تتوقف الخسائر عند حدود الميدان العسكري، بل تمتد لتصيب قلب الاقتصاد، فالصراعات المسلحة تخلق واقعًا اقتصاديًا مضطربًا، يجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار وتراجع الإنتاج، في معادلة معقدة تهدد استقرار الدول ومعيشة المواطنين.
كيف تقود الصراعات إلى الركود والتضخم وانهيار الإنتاجية؟
ووفق تقديرات البنك الدولي، فإن الصراعات الجيوسياسية كانت من أبرز أسباب تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي إلى نحو 2.6% في 2023 مقارنة بمعدلات أعلى قبل الأزمات.
الركود.. حين يتجمد النشاط الاقتصادي
تؤدي الحروب إلى شلل واضح في حركة الاقتصاد، حيث تتراجع الاستثمارات وتتوقف العديد من الأنشطة الإنتاجية والخدمية.
وتتجه الحكومات إلى تحويل الإنفاق العام نحو المجهود الحربي، على حساب قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية.
وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الدول التي تشهد صراعات مسلحة قد تفقد ما بين 6% إلى 15% من ناتجها المحلي الإجمالي خلال سنوات النزاع، نتيجة توقف الإنتاج وهروب الاستثمارات.
وينعكس ذلك في: انخفاض معدلات النمو، ارتفاع نسب البطالة، تراجع دخول الأفراد.
التضخم.. الأسعار تشتعل تحت ضغط الحرب
بالتوازي مع الركود، تشهد الأسواق موجة من الارتفاعات السعرية نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد ونقص السلع الأساسية.
وتؤكد بيانات منظمة الأغذية والزراعة أن مؤشر أسعار الغذاء العالمي ارتفع بنحو 14% خلال عام 2022 على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية، فيما قفزت أسعار القمح عالميًا بأكثر من 30% في ذروة الأزمة.
كما ارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد، حيث سجلت أسعار النفط أكثر من 120 دولارًا للبرميل في 2022، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية.
ضعف الإنتاجية.. خسارة مزدوجة للاقتصاد
لا تقف تداعيات الحرب عند حدود الأسعار أو النمو، بل تمتد لتضرب كفاءة الإنتاج نفسها.
فمع تدمير البنية التحتية وخروج العمالة من سوق العمل، تتراجع القدرة الإنتاجية بشكل ملحوظ.
ويقدر البنك الدولي أن بعض الدول المتأثرة بالحروب فقدت أكثر من 50% من طاقتها الإنتاجية الصناعية خلال فترات النزاع الممتد.
وتتمثل أبرز مظاهر ذلك في:انخفاض حجم الإنتاج، ارتفاع تكلفة التصنيع، تراجع جودة بعض المنتجات.
ركود تضخمي.. الأزمة الأكثر تعقيداً
الخطورة الحقيقية تكمن في تزامن الركود مع التضخم، وهي الحالة التي تُعرف اقتصاديًا بـ«الركود التضخمي».
وحذر صندوق النقد الدولي من أن العالم اقترب من هذه الحالة خلال 2022–2023، مع ارتفاع التضخم العالمي إلى نحو 8.7% في 2022 مقابل تباطؤ النمو.
في هذا الوضع:ترتفع الأسعار رغم ضعف الطلب، يتباطأ النمو الاقتصادي، تتراجع فرص العمل.
انعكاسات مباشرة على حياة المواطنين
تنعكس هذه الأوضاع الاقتصادية بشكل مباشر على المواطنين، حيث، ترتفع أسعار السلع الأساسية، تتآكل القدرة الشرائية، تزداد صعوبة الحصول على وظائف.
وفي مصر مثلًا، أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن معدل التضخم السنوي تجاوز 30% خلال 2023، متأثرًا بارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالميًا.
الحروب تُشعل التضخم عالميًا
في هذا السياق، قالت الدكتورة حنان رمسيس، خبيرة الاقتصاد، إن الحروب تمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في ارتفاع معدلات التضخم عالميًا، نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد وتأثر قطاع الطاقة، خاصة مع إغلاق ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز واستهداف عدد من المصافي البترولية، ما أدى إلى ارتفاعات قياسية في أسعار النفط والغاز.
ضغط مستمر على أسعار الطاقة
وأضافت خبيرة الاقتصاد، في تصريحات خاصة لموقع القصة، أن استمرار تعطل بعض الحقول مع توقع عودة الإنتاج تدريجيًا خلال السنوات المقبلة، سيبقي أسعار الطاقة تحت ضغط، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على معدلات التضخم، باعتبار الطاقة عنصرًا أساسيًا في تكلفة الإنتاج والنقل.
سياسات نقدية متشددة من البنوك المركزية
وأضافت رمسيس، أن هذه التطورات دفعت البنوك المركزية وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى تبني سياسات نقدية متشددة نسبيًا، مع توقعات برفع أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة لمواجهة التضخم.
تأثير الحرب على المستثمرين والذهب
وأشارت إلى أن الحرب أثرت كذلك على سلوك المستثمرين، حيث اتجه البعض إلى تسييل أصولهم —بما في ذلك الذهب— لتوفير السيولة اللازمة لمواجهة حالة عدم اليقين، لافتة إلى أن بعض البنوك المركزية —مثل البنك المركزي التركي— قامت ببيع جزء من احتياطياتها من الذهب لدعم عملتها.
تأثير الحرب على اقتصاد مصر
وفيما يتعلق بالوضع في مصر، أكدت حنان رمسيس، أن الاقتصاد تأثر بارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، في ظل كونه اقتصادًا مستوردًا للطاقة، ما أدى إلى زيادة الضغوط على الجنيه وارتفاع سعر الدولار، وهو ما انعكس على قطاعات حيوية مثل النقل والغذاء والطاقة.
إجراءات ترشيد الطاقة في مصر
وأضافت خبيرة الاقتصاد، أن الدولة اتجهت إلى اتخاذ إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة —مثل تقليل الإضاءة— مع احتمالية اللجوء إلى آليات إضافية لتخفيف الضغط على الموارد، دون الوصول إلى فرض قيود مشددة على النشاط الاقتصادي.
فرص وتحديات الحرب للاقتصاد العالمي
وأكدت رمسيس، أن الحرب تمثل عاملًا سلبيًا على الاقتصاد العالمي، وقد تؤدي إلى تباطؤ معدلات النمو وارتفاع تكلفة التمويل؛ لكنها في الوقت ذاته تخلق فرصًا لبعض الدول —خاصة المصدرة للنفط والغاز— التي تستفيد من ارتفاع الأسعار وتحسن موازناتها.
القطاعات الأكثر تضررًا
اختتمت حنان حديثها، أن القطاعات الأكثر تضررًا من تداعيات الحرب تشمل التشييد والبناء نتيجة تراجع الإنفاق على المشروعات التنموية لصالح الإنفاق العسكري، إلى جانب قطاع النقل والشحن بسبب اضطراب حركة الملاحة، وقطاع السياحة الذي يتأثر بشكل مباشر بحالة عدم الاستقرار.
الخلاصة تأثير الحرب علي الاقتصاد
تكلفة الحرب تتجاوز ميادين القتال في النهاية، تثبت التجارب أن الحروب لا تُقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل أيضًا بتأثيرها العميق على الاقتصاد.
فهي تدفع الدول إلى مسارات من الركود والتضخم وضعف الإنتاج، ما يجعل التعافي رحلة طويلة ومكلفة.
وبينما تنتهي المعارك يومًا ما، تظل آثارها الاقتصادية ممتدة لسنوات، إن لم تكن لعقود.