تراجع الذهب مع افتتاح التعاملات بنسبة تراوحت بين 1% و2% ليطرح سؤالًا أكبر من مجرد حركة سعر، هل فقد المعدن الأصفر بعضًا من بريقه كملاذ آمن، أم أن ما يحدث مجرد إعادة تموضع مؤقت في سوق مرتبك؟
المشهد لا ينفصل عن تحولات أوسع تضرب الاقتصاد العالمي، حيث تتقاطع ثلاثة عوامل رئيسية، مسار الفائدة الأميريكية، قوة الدولار، وعودة التوترات الجيوسياسية المرتبطة بأسواق الطاقة، لتُعيد تشكيل سلوك المستثمرين بشكل لافت.
محلل أسواق المال والخبير الاقتصادي أحمد عزام يربط هذا التراجع بما وصفه بـ”الفجوة السعرية الهابطة” مع افتتاح التداولات، معتبرًا أن السوق عاد لتسعير الذهب وفق معادلة الفائدة والدولار، وتعثر المحادثات الأميريكية الإيرانية، وعودة النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، أعادا إلى الواجهة سيناريو صدمة الطاقة، وهو ما يُبقي الضغوط التضخمية قائمة لفترة أطول.
يقول أيضا، أن هذا السيناريو لا يخدم الذهب بالضرورة، رغم كونه أداة تحوط تقليدية ضد التضخم، فمع ارتفاع توقعات الفائدة أو حتى تأجيل خفضها، ترتفع كلفة الاحتفاظ بأصل لا يدر عائدًا، ما يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة النظر في مراكزهم.
ويشير إلى أن العلاقة بين الذهب والدولار تبدو في هذه المرحلة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، ارتفاع عوائد السندات الأميركية، خصوصًا قصيرة الأجل، وصعود مؤشر الدولار، عززا جاذبية الأصول الدولارية مقارنة بالذهب، ومع تراجع شهية المخاطرة عالميًا، عاد الدولار ليُقدم نفسه كملاذ أسرع وأكثر سيولة.
“لكن الصورة ليست أحادية الاتجاه، فخلال موجة التفاؤل القصيرة التي صاحبت الهدنة المؤقتة قبل أيام، شهدت الأسواق تدفقات قوية نحو الأسهم العالمية، تجاوزت 23 مليار دولار في أسبوع واحد، في حين استقطبت صناديق الذهب والمعادن النفيسة نحو 1.9 مليار دولار في الوقت نفسه، قراءة هذه الأرقام لا تشير إلى خروج جماعي من الذهب، بل إلى إعادة توزيع للمخاطر داخل المحافظ الاستثمارية” بحسب حديث أحمد عزام.
ويشير خبير أسواق المال إلى أن مع عودة التوترات، تغيّر المزاج سريعًا، ارتفع النفط مجددًا، وصعد الدولار، بينما ظلت مؤشرات الأسهم دون مستويات ما قبل الحرب، في مشهد يعكس حساسية شديدة لأي تطور سياسي أو عسكري، السيولة، كما يصفها عزام، باتت “مدفوعة بالكلمة”، تتحرك مع كل تصريح أو تطور على الساحة الدولية.
ورغم التراجع الأخير، لا يرى عزام أن الذهب دخل مرحلة هبوط طويل الأمد. ما يحدث، وفق تقديره، أقرب إلى تصحيح طبيعي مدفوع بارتفاع كلفة الاحتفاظ بالمعدن في بيئة نقدية مشددة. في المقابل، لا تزال هناك دعائم قوية تدعم الاتجاه الصاعد على المدى الأوسع، في مقدمتها استمرار مشتريات البنوك المركزية.
“بنك الشعب الصيني، على سبيل المثال، واصل زيادة حيازاته من الذهب للشهر السابع عشر على التوالي حتى نهاية مارس، رغم تسجيل المعدن أكبر هبوط شهري له منذ عام 2008. هذا السلوك يعكس تمسك الطلب الرسمي بالذهب كأداة استراتيجية، بعيدًا عن تقلبات السوق قصيرة الأجل” يقول عزام.
في مصر، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا, بحسب حديث الخبير الاقتصادي الدولي، فيؤكد أن سعر الذهب المحلي لا يتحرك فقط وفق الأوقية العالمية، بل يتأثر أيضًا بسعر الدولار مقابل الجنيه، ومع تراجع العملة المحلية بنحو 10% منذ اندلاع الحرب، يصبح تأثير أي هبوط عالمي محدودًا.
البنك المركزي المصري، بدوره، يتبنى نهجًا حذرًا، مع تثبيت سعر الإيداع عند 19% والإقراض عند 20%، في محاولة لاحتواء ضغوط تضخمية بلغت 15.2% في مارس. هذه المعادلة تعني أن أي انخفاض عالمي في أسعار الذهب قد يُمتص جزئيًا داخل السوق المحلية بفعل ضعف الجنيه.
في ظل هذه البيئة، لا تبدو قرارات الشراء أو البيع سهلة، السوق، كما يصفه عزام، لم يدخل بعد مرحلة الاستقرار التي تسمح ببناء مراكز استثمارية مريحة. التذبذب يظل السمة الغالبة، مدفوعًا بتقلبات السياسة والطاقة والنقد.
وبحسب عزام، الرهان على الذهب الآن لم يعد مجرد قرار تقليدي باللجوء إلى الملاذ الآمن، بل أصبح اختبارًا لمدى قدرة المستثمر على قراءة سوق يتحرك على وقع الأزمات، الانتظار قد يكون الخيار الأكثر توازنًا لمن يفكر على المدى الطويل، بينما يظل الشراء التدريجي، أو ما يُعرف باستراتيجية تقسيط الاستثمار، أحد الأدوات القليلة لتخفيف مخاطر الدخول في توقيت غير محسوب.