بينما يطرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطة لإعادة إعمار غزة بقيمة 112 مليار دولار، تظهر حقيقة لا لبس فيها، وهي خدمة إسرائيل والمصالح الأمريكية أولًا، ويغيب عنها الصوت الفلسطيني بالكامل، كما يؤكد خبراء تحدثوا لـ “القصة”.
لم يكن دافوس ومجلس السلام العالمي سوى غرفة مغلقة لإدارة المرحلة الانتقالية بعد الحرب، حيث تُدار القرارات بعيدًا عن الكاميرات، ومن دون التزامات حقيقية تجاه المدنيين.
ورغم الأرقام المغرية، تبدو الخطة محفوفة بالمخاطر، في ظل فجوة تمويلية ضخمة، وشروط أمنية مشروطة بنزع سلاح المقاومة، وتهميش كامل للفلسطينيين في إدارة شؤونهم. في المقابل، يظل الدور العربي، خصوصًا المصري والقطري، عنصر التوازن الأبرز في منع الانهيار وضبط إيقاع المرحلة الانتقالية.
يسعى هذا التقرير إلى كشف الحقائق الكامنة وراء الخطط الاقتصادية والسياسية الأمريكية، والتساؤل عمّا إذا كانت غزة على طريق إعادة إعمار حقيقية، أم أمام مرحلة جديدة من إدارة الصراع وتأمين إسرائيل، بينما يظل الشعب الفلسطيني في قلب المشهد، لكنه غالبًا خارج دائرة القرار.
خطط ترامب لإفادة إسرائيل وتأمينها
قال عبد الله الأشعل، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يطرح خطته لإفادة إسرائيل لا فلسطين، مؤكدًا أن الحديث عن التعاطف مع غزة «كذب»، والهدف هو صرف الأنظار عن الإشكاليات التي تفتعلها إسرائيل بدعم أمريكي، ودفع الفلسطينيين إلى الهجرة من القطاع إلى مصر أو أماكن أخرى أعدتها الولايات المتحدة.
وأضاف أن ما يهم ترامب هو تصفية القضية الفلسطينية وتأمين إسرائيل، دون أي اعتبار للفلسطينيين أو العرب.
21 بندًا تخدم إسرائيل لا فلسطين
وأكد السفير عبد الله الأشعل لـ«القصة» أن المدخل الأساسي لتشكيل مجلس السلام هو ترجمة خطة ترامب المكونة من 21 بندًا، تخدم جميعها إسرائيل، ولا تهدف لدعم فلسطين أو حل النزاع.
وأشار إلى أن منتدى دافوس، وهو منتدى اقتصادي بالأساس، تحول إلى منصة سياسية، وأن ترامب يذهب إليه خصيصًا للترويج لأفكاره، محذرًا من أن سياساته ستؤدي إلى نتيجتين: تراجع الدور الأمريكي، وإزالة إسرائيل على المدى البعيد.
ترامب يعارض الخطة المصرية لإعمار غزة
وأوضح الأشعل أن مصر اقترحت خطة متكاملة لإعمار غزة خلال قمة شرم الشيخ، إلا أن الولايات المتحدة وقفت ضدها، رغم أن المنطق يقتضي أن يتحمل مسؤولية الإعمار من قام بالهدم، أي إسرائيل بدعم أمريكي.
وأضاف أن الأموال التي يُفترض تخصيصها لإعمار غزة يجب أن تعود بالنفع على الشعوب العربية، لا أن تُجمع عبر مبادرات يقودها ترامب.
دافوس منصة حوارية لا أكثر
وأوضح الأشعل أن دافوس ليست سوى منصة حوارية أو غرفة مغلقة لتسوية أوضاع دول، ولا تشرف على تنفيذ أي شيء فعليًا، مشيرًا إلى أن مجلس السلام العالمي هو الجهة المشرفة، وقد اختاره ترامب بنفسه ويرأسه.
وأضاف أن المستفيدين من هذا الترتيب هم الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما يظل الممول غير واضح، مع توقع الاعتماد على الدول الخليجية، في ظل غياب إجابات حاسمة حول من يمول ومن ينفذ.
وأكد أن دافوس لا يناقش أوضاع غزة بشكل حقيقي، وأن الصوت الفلسطيني غائب تمامًا، وإن وجد فهو انعكاس لصوت ترامب وتوجهاته.
إسرائيل تسعى لاشتباك قوة الاستقرار مع حماس
وأشار الأشعل إلى أن إسرائيل تسعى لنزع سلاح حماس بالقوة، وتطالب بأن تشتبك قوة الاستقرار الدولية معها، وهو ما ترفضه الدول العربية والإسلامية.
وأوضح أن حماس لا تمتلك سلاحًا ثقيلًا بالمعنى العسكري، وإنما أسلحة خفيفة وقدرات فردية، مؤكدًا أن ترامب يسعى لتأمين إسرائيل من ما يعتبره تهديدًا وجوديًا.
واختتم الأشعل بالقول إن هناك تساؤلات كثيرة حول اجتماع دافوس ومجلس السلام، دون إجابات واضحة حتى الآن، مؤكدًا أن هذه الخطط لا تزال محل جدل واسع.
دافوس تُدار فيه النتائج بعيدًا عن الكاميرات
من جانبه، قال أبو بكر الديب، الخبير الدولي، إن ما يُطرح تحت مسمى مجلس السلام لإعمار غزة لا يمكن فصله عن إدارة الحرب نفسها، مشيرًا إلى أن الحروب الحديثة لا تنتهي بوقف القصف، بل بمرحلة أكثر تعقيدًا تُدار فيها النتائج السياسية والأمنية والاقتصادية خلف الأبواب المغلقة.
وأوضح أن ما جرى في دافوس كان تمهيدًا لإعادة تعريف غزة كملف دولي مفتوح، لا كقضية تحرر وطني، بهدف ضمان أمن إسرائيل واحتواء أي انفجار مستقبلي.
مجلس السلام أداة لإدارة ما بعد الحرب
وأضاف الديب أن مجلس السلام ليس مبادرة أخلاقية خالصة، بل أداة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، حيث تُوزع الأدوار بين الممول والمراقب والمنفذ، مع إبقاء الفلسطينيين ضمن هامش حركة محدود.
وأشار إلى أن حماية المدنيين تُطرح في الخطاب العلني، لكنها تُناقش في الغرف المغلقة بمنطق «منع الانهيار» لا تحقيق العدالة الإنسانية.
الدور المصري والقطري عنصر توازن
وأكد الديب أن الدور المصري كان محوريًا وإيجابيًا، انطلاقًا من اعتبارات إنسانية وأمن قومي، كما لعبت قطر دورًا مهمًا في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة.
وأوضح أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، بل عبر تهدئة طويلة الأمد ومعالجة جذور الصراع.
غياب تمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم
وأشار إلى أن السيناريوهات المطروحة لإدارة غزة بعد الحرب لا تعكس رغبة حقيقية في تمكين الفلسطينيين، بل تتجه نحو إدارة انتقالية بسقف أمني صارم، محذرًا من خطورة الفصل بين الإدارة المدنية والقرار الأمني.
لا التزام بحماية المدنيين حتى الآن
وفي سياق متصل، قال د. أنور القاسم، الخبير الاقتصادي، إن إسرائيل لم تلتزم بحماية المدنيين حتى الآن، ولم تُشر خطة السلام إلى التزامات واضحة عليها، خصوصًا ما يتعلق بالانسحاب من غزة.
وأوضح أن التعهدات المالية تبقى حبرًا على ورق ما لم تُنفذ على الأرض، مع الحاجة إلى دول ضامنة مثل أوروبا وروسيا والصين.
غزة بحاجة لإعادة إعمار شاملة
وأضاف القاسم أن المبالغ المطروحة لا تكفي لإعادة إعمار القطاع بالكامل، الذي يحتاج إلى بنية تحتية متكاملة واستثمارات حقيقية لخلق فرص عمل، مؤكدًا أن 85 بالمئة من الناتج المحلي لغزة يعتمد على المساعدات، وهو وضع غير مستدام.
واختتم بالقول إن غياب الأمن والاستقرار سيمنع أي استثمار حقيقي، مؤكدًا أن الدور العربي يظل العامل الحاسم في تحويل الوعود إلى واقع.