لم تكن حرب السابع من أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحركة حماس، بل صدمة إقليمية أعادت رسم خريطة النفوذ في المنطقة، ودفعت عواصم الشرق الأوسط إلى مراجعة مواقفها وتحالفاتها، وكشفت هشاشة مراكز القوة التقليدية، في غضون عام واحد، تغيرت المعادلات التي ترسخت لعقود، وتحولت خيوط اللعبة من يد قوى ظلت تعتبر نفسها ثابتة في موقع الصدارة، إلى أخرى صاعدة تبحث عن موطئ قدم في فراغ جديد يتشكل تحت وطأة الحرب.
وفي هذا السياق المتحرك، يبرز سؤال حتمي: من خسر ومن ربح بعد 7 أكتوبر؟ وكيف يعاد رسم الشرق الأوسط الجديد؟
موقع القصة تواصل مع خبيرين بارزين لتفكيك المشهد: عطية عيسوي، خبير الشؤون الأفريقية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، والدكتور علاء السعيد، الخبير في الشأن الإيراني؛ وقدما رؤية معمقة ترسم حدود التحول، وتوضح لماذا لم يعد الشرق الأوسط بعد 7 أكتوبر كما كان قبله.
إيران.. انكسار الهيبة وتراجع النفوذ
قبل 7 أكتوبر، كانت طهران تقدّم نفسها بوصفها “القوة التي لا تقهر”، المؤسسة لما يسمى “محور المقاومة”، والممسكة بخيوط حماس وحزب الله والحوثيين والحشد الشعبي. لكن الحرب بدلت المشهد جذرياً، ودفعت إيران إلى حالة غير مسبوقة من الانكماش والحذر.
ضغوط دبلوماسية غير مسبوقة
قال عطية عيسوي، خبير الشؤون الأفريقية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، إن إيران كانت محاصرة دبلوماسياً حتى قبل 7 أكتوبر، لكن “الحصار زاد أكثر بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية”.
وأضاف: “ليس كرهاً في إيران، وإنما خوفاً من انتقام الولايات المتحدة أو عقوبتها، وبالتالي أصبحت إيران أضعف كثيرًا بعد الضربات الإسرائيلية، سواء أمام الولايات المتحدة، أو أمام شعبها، أو أمام دول المنطقة التي كانت تخشى من قوتها العسكرية وأسلحتها النووية”.
تراجع عسكري حاد
مع أن الضربات لم تستهدف إيران مباشرة في معظم الحالات، إلا أن نتائجها انعكست بوضوح، كما يؤكد عيسوي: “إيران أصبحت أضعف عسكرياً كثيرًا، كثيرًا جدًا مما كانت عليه قبل هذه الضربات، وبالتالي تراجع نفوذها السياسي والإقليمي كثيرًا، ولا أظنه سيعود سريعًا قبل فترة طويلة، حتى تستعيد قوتها العسكرية”.
وعلى الرغم من استمرار نفوذها على الحوثيين، فإن الضربات الأمريكية–البريطانية المتلاحقة ضد مواقع الحوثيين أضعفت قدرتهم، وزادت عزلة إيران على المستوى الغربي والدولي، بحسب عيسوي.
ضربة في العمق الاستراتيجي
وأكمل الخبير في الشأن الإيراني، الدكتور علاء السعيد، الصورة بشكل أكثر تفصيلاً، مؤكدًا أن الحرب أحدثت هزة غير مسبوقة في مشروع النفوذ الإيراني. ويقول: “الحديث عن النفوذ الإيراني بعد السابع من أكتوبر يشبه محاولة قراءة لوحة واسعة أعيد رسم خطوطها تحت وطأة النار، ما جرى لم يكن مجرد حرب بين إسرائيل وحماس، بل اختبار قاسٍ لقدرة إيران على إدارة شبكتها من الوكلاء”.
ويضيف لـ”القصة”: “لم تتوقع إيران أن العملية ستفتح عليها أبوابًا بهذا الاتساع، صحيح أنها لم تهزم عسكريا، لكنها تراجعت بوضوح في أربعة مسارات: انكشاف محدودية السيطرة على حماس، تآكل الردع، تضييق سياسي شديد، وتراجع جاذبية مشروع المقاومة نفسيا لدى الجمهور العربي”.
وبحسب السعيد، فإن النفوذ الإيراني في غزة تضرر بشدة؛ إذ يرى جزء من الغزيين أن طهران “تركتهم في منتصف الطريق”، أما في الضفة، فقد “تراجعت قدرة إيران على التمويل والاختراق”، وأصبحت رقابة إسرائيل خانقة.
وفي لبنان، دخل حزب الله حرب استنزاف أثرت على صورته وفي اليمن، تعرض الحوثيون لأقصى موجة ضربات منذ سنوات، رغم صمودهم حتى النهاية. وفي العراق تراجعت قدرة الحشد الشعبي على الحركة تحت الضغط الحكومي والدولي.
الخلاصة في رأي السعيد: “المحور لا يزال موجودا، لكنه أضعف، وأكثر حذرا، وأقل قدرة على فرض سرديته التي روجها لسنوات”.
لماذا تتجنب إيران الحرب المباشرة؟
يتفق الخبيران على أن طهران تحاول النجاة بأقل الخسائر، وتجنب أي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل. يقول السعيد: “نعم، هي تتجنب أي مواجهة مباشرة بشكل واضح؛ لأن حرباً مباشرة ستكون كارثية على الداخل الإيراني، وعلى اقتصاد يترنح، وعلى نظام لا يملك رفاهية المغامرة”.
ويوضح أن “الوكالة اليوم أصبحت مقيدة، محاطة بأثمان عالية”، وأن “الساحات التي كان نفوذ إيران فيها يمتد بلا تكلفة أصبحت حقول ألغام سياسية”.
الوساطة المصرية.. عودة القاهرة إلى مركز الطاولة
في ذروة الضغط على إيران، ظهرت مصر كفاعل دبلوماسي لا غنى عنه، يقول السعيد إن نجاح القاهرة في الوساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية كان تطورا بالغ الأهمية.
ويؤكد: “نجاح القاهرة لم يكن صدفة، بل نتاج ثلاث حقائق: مصر باتت الصوت الإقليمي الأكثر قبولاً دولياً، وإيران احتاجت قناة آمنة وغير مستفزة، والغرب بدأ يعتمد على مصر كوسيط موثوق لا يملك أجندة حادة تجاه طهران”.
وأضاف: “مصر هي الدولة الوحيدة القادرة على التحدث مع الجميع دون أن تُتهم بالاصطفاف، ولهذا ترى إيران أن القاهرة باب لا يغضب الغرب”.
أما عطية عيسوي، فيبرز دور الوساطة المصرية في غزة تحديدًا، قائلًا: “الوساطة المصرية كان لها دور كبير في تخفيف المعاناة الفلسطينية، سواء إنسانياً، أو من ناحية المساعدات، أو من حيث كبح الوحشية الإسرائيلية، ونجحت طوال عامين من الحرب، وزادت قوتها مع وقوف الولايات المتحدة وتركيا والإمارات معها للوصول إلى الهدنة الحالية”.
وأضاف: “الجهود المصرية لم تتوقف، وكانت مؤثرة، ولها فوائد طوال فترة الحرب، وهذا عزز نفوذ مصر لدى المجتمع الدولي”.
تركيا.. الصعود الهادئ نحو القمة
وسط تراجع إيران وتذبذب إسرائيل، تبرز تركيا باعتبارها أكبر الرابحين بعد 7 أكتوبر، كما يصفها عيسوي، نفوذ يتوسع في سوريا وغزة وليبيا؛ يرى السعيد أن تركيا “لعبت بذكاء”، ورفعت سقف خطابها السياسي دون الدخول في مواجهة مباشرة.
وقال: “تركيا عززت نفوذها في شمال سوريا، وتمددت سياسياً في غزة، وحافظت على نفوذها العسكري والاقتصادي في ليبيا، وظهرت كقوة صاعدة في الفراغ الذي خلفه انكفاء إيران”.
أما عيسوي، فيشير إلى أن سقوط نفوذ النظام السوري القديم، وتحول سوريا إلى نفوذ غربي مدعوم أمريكياً، زاد من قوة تركيا في الميدان.
وأضاف: “تقاربها مع مصر، خاصة بعد وقف نشاط عناصر الإخوان داخل تركيا، أدى إلى تعاون كبير بينهما، خصوصًا في السودان وليبيا”.
إسرائيل.. قوة عسكرية بلا غطاء دبلوماسي
على الرغم من دعم واشنطن غير المحدود، يرى عطية عيسوي أن إسرائيل تعرضت لعزلة دبلوماسية شديدة بسبب دمار غزة، يقول: “إسرائيل تذبذبت؛ فقد خسرت دبلوماسياً ودولياً، وأصبحت شبه معزولة، لكنها عسكريًا ما زالت قوية جدًا بدعم الولايات المتحدة”.
وأضاف: “تدميرها لحزب الله في لبنان، ولحماس في غزة، وضرب الحوثيين، زاد من قوة ردعها العسكرية، لكن عزلة المجتمع الدولي تجاهها اتسعت”.
ثلاث دول تتصدر الشرق الأوسط الجديد
يرى عطية عيسوي أن خريطة الشرق الأوسط بعد 7 أكتوبر تتجه نحو بروز ثلاث قوى رئيسية: مصر، تركيا، إسرائيل
وقال: “أعتقد أن أكبر ثلاث دول في المنطقة زاد نفوذها وسيظل طويلاً هي: مصر، وتركيا، وإسرائيل”، وأضاف أن السعودية مرشحة للانضمام قريبًا، خصوصًا مع احتمال حصولها على طائرات F-35 مع عودة ترامب للبيت الأبيض.
المستقبل.. تحالفات جديدة وصدامات مؤجلة
وقدم السعيد رؤية واضحة للمستقبل: “نحن أمام إعادة رسم كاملة لخريطة التحالفات. هناك تراجع نسبي لمحور إيران، وصعود تركي، وعودة قوية للدور المصري، وتعزيز للتحالفات الخليجية الإقليمية، وإعادة تشكيل للمشهد الفلسطيني نفسه”.
أما العلاقة بين مصر وإيران وتركيا، فيراها مقبلة على توازنات دقيقة تقوم على ثلاثة عناصر: التنافس الصامت، البراغماتية، إعادة توزيع النفوذ.
شرق أوسط جديد يولد من بين الأنقاض
لم تعد المنطقة بعد 7 أكتوبر كما كانت، إيران تتراجع، وتركيا تتقدم، ومصر تعود إلى مركز اللعبة، بينما تقف إسرائيل بين قوة عسكرية مطلقة وعزلة سياسية خانقة، الحرب لم تنتهِ بصوت المدافع، بل بدأت بعدها معركة أكبر: معركة إعادة رسم النفوذ وتحديد من سيحكم الشرق الأوسط الجديد.
ووفقاً لما قاله الخبيران، فإن السنوات المقبلة ستشهد تنافساً صامتاً بين القوى الثلاث الكبرى — مصر وتركيا وإسرائيل — بينما تستمر إيران في محاولة التقاط أنفاسها، وتتغير ملامح القضية الفلسطينية ذاتها، وتتجه المنطقة إلى هندسة سياسية وأمنية جديدة لم تتضح معالمها النهائية بعد.
وإلى أن تتضح الصورة، سيظل الشرق الأوسط يعيش في ظل معادلة لم تكتمل، تتبدل فيها الأدوار بسرعة، ويعيد كل طرف حساباته في ضوء سؤال واحد:من يملك القدرة على النجاة… ومن يملك القدرة على التأثير؟