في وقت يتجه فيه العالم نحو تعددية قطبية متسارعة، وتتحول فيه الأقاليم التقليدية إلى ساحات صراع خفي و علني بين القوى الكبرى، يأتي “التقرير السياسي لأمريكا اللاتينية لعام 2025” كأحدث مساهمة علمية مغربية وعربية بارزة، تسعى إلى سد الفراغ المعرفي وتفكيك التحولات الكبرى التي تشهدها القارة اللاتينية.
التقرير، الذي صدر حديثاً وتولت تنسيقه والوجوه العلمية البارزة وراءه لجنة تضم الدكاترة: محسن منجيد مدير ومؤسس مرصد أمريكا اللاتينية، ومحمد بوبوش أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، ومحمد عطيف أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة، إلى جانب د. إسماعيل الرزاوي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، يمثل نقلة نوعية في قراءة المشهد اللاتيني بعيون أكاديمية مغربية.
من الهامش إلى قلب الحدث الدولي
ينطلق التقرير من فرضية أساسية تتجاوز النظرة النمطية القديمة، مؤكداً أن أمريكا اللاتينية لم تعد مجرد “فضاء هامشي” في السياسة الدولية، بل أصبحت رقماً صعباً و مجالاً حيوياً يتزايد فيه التنافس الجيوسياسي الشرس بين واشنطن وبكين وموسكو.
ولم يكتفِ التقرير بالرصد الإخباري السطحي للأحداث، بل غاص في تفاصيل الديناميات المعقدة للمنطقة، حيث سلط الضوء على التدخل الأمريكي في فنزويلا، وتحولات العقيدة الأمنية للولايات المتحدة في محيطها الإقليمي، والزحف الاقتصادي والسياسي الصيني، كما واكب التقرير نبض التحولات الداخلية للدول المؤثرة في القارة، من خلال تحليل صناعة القرار الخارجي في المكسيك، ورصد التحولات الجدلية في السياسة الخارجية الأرجنتينية تحت قيادة الرئيس المثير للجدل “خافيير ميلي”.
تميز العمل بقدرته العالية على تطويع مفاهيم العلاقات الدولية وحرب النفوذ لفهم واقع المنطقة. كما تميز بجرأته في تقديم أبعاد استشرافية حاولت قراءة المستقبل، وتحديد مدى قدرة التكتلات الإقليمية اللاتينية على تجاوز الصراعات الأيديولوجية لإنتاج استجابات جماعية موحدة للتحديات الأمنية والسياسية.
وفي خطوة تعكس النضج النقدي للمشروع، يفتح التقرير الباب أمام تطوير مقارباته مستقبلاً، عبر الدعوة إلى تعميق الربط بين ما هو سياسي وأمني وما هو اقتصادي واجتماعي، فضلاً عن توسيع مساحات المقارنة بين التجارب الوطنية المختلفة للدول اللاتينية لتقديم صورة أكثر شمولية.
بصمة بحثية مغربية بامتياز
أهمية هذا التقرير لا تكمن فقط في دقة بياناته وعمقه التحليلي، بل في كونه ثمرة مبادرة بحثية مغربية خالصة، قادها وأشرف عليها باحثون وأكاديميون من مختلف الجامعات المغربية بين وجدة، الجديدة، وفاس تحت مظلة “مرصد أمريكا اللاتينية”.