في الخامس والعشرين من يناير، كان عمري يقترب من التاسعة فقط؛ طفلة في الصف الثالث أو الرابع الابتدائي. في هذا السن كان أقصى طموحي أن تلغى الحصة الأولى أو الأخيرة، أو أن يلغى يوم دراسي كامل، لأتمكن من مواصلة اللعب يومًا كاملًا مع زميلاتي وجيراني في المنزل.
في تلك القرية التي نشأت بها، والتي كانت منعزلة عن المدينة وما يحدث فيها، لم يؤثر انقطاع الإنترنت حينها عليّ؛ لأنني لم أكن على دراية به من الأساس، ولا بوسائل التواصل الاجتماعي التي عرفت لاحقًا أنها كانت شعلة الثورة.
كانت كل معلوماتي عن التواصل تقتصر على الهاتف الأرضي، الذي كان يحدثنا منه والدي حين يذهب إلى عمله في القاهرة التي كان اسمها ببساطة “مصر” في ثقافتنا الريفية، والتي طالما حلمنا بالانتقال للعيش فيها.
لم أكن أعرف حينها معنى كلمة “نظام” أو “دستور”، ولا أفهم تلك الشعارات التي كانوا يهتفون بها: “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”، سوى أنها هتافات على وزن أغنية نغنيها دون أن نعي معناها.
كانت الثورة بالنسبة لي أشبه بمسلسل واقعي، أبطاله الشباب والكبار، نشاهده نحن بدهشة وصمت.
كنت أرى وجوههم ولا أفهم: هل سنموت أم سنعيش؟ فقد كنت طفلة تعيش في عالمها المحدود بين المعهد والكتاب واللعب مع الأصدقاء، غير مدركة أن هذه الكلمات دفع ثمنها دماء شباب، لكي أعيش أنا اليوم وأكتب عنها، أنا وجميع أبناء جيلي.
نحن الجيل الذي بدأت عيونه تتفتح على الغد، والذي تعلم أن صوته مسموع، حتى وإن كان عمره تسع سنوات.
لم تنتهِ الثورة بالنسبة لي بتنحي حسني مبارك، بل بعودة والدي من القاهرة، حيث كنت أرى القلق في عيون أمي وجدتي، وهما تدعوان له بالغنيمة والسلامة.
عدت إلى المدرسة، لكنني لم أعد أنظر إلى المدرس بنفس النظرة، ولا إلى الشارع بنفس الخوف الذي سكننا خلال تلك الثمانية عشر يومًا.
كبرت عشر سنوات دفعة واحدة، وعرفت أن الشارع صار ملكًا للناس، وأن أبي وجيراني أقوى من الشرطة التي كانوا يخوفوننا بها.
ومع مرور الأيام، كنت أكبر داخليًا دون أن أشعر، عرفت أن ثورة يناير لم تكن مجرد مشهد على شاشات التلفزيون، بل كانت أول درس حقيقي لي عن معنى الوطن، والثورة، والعدل، والحرية.
عرفت أن التاريخ لا يكتب فقط في الكتب، ولا هو ما يردده أحمد موسى وغيره، بل يصنع ويلقن في الشوارع، وعلى ألسنة بناتٍ في مثل سني، وفي حكايات أبي وغيره من الناس العاديين.
اليوم، وقد صار عمري بضعًا وعشرين عامًا، أنظر إلى تلك الأيام بعينٍ أكثر وعيًا، أحزن لأن أهداف تلك الثورة لم تتحقق، ولأن شبابًا صاروا رجالًا خلف الأسوار، يدفعون ثمن أحلامٍ لم نكن نعرفها.
أدركت أن الطفلة ذات التسع سنوات لم تكن تفهم كل ما يجري، لكنها كانت تشعر بكل شيء: بالخوف، والأمل، والانتماء، والدهشة. وربما كان هذا هو الأثر الأعمق لثورة يناير على جيلي؛ أنها جعلتنا نكبر مبكرًا، ونفهم أن حب الوطن ليس مجرد شعارات نرددها، بل تجربة نعيشها، حتى قبل أن نفهمها كاملة.