عندما تتفجر الثورة فإنها لا تكتفي بخلخلة الأنظمة السياسية بل تهز أسس الوجود الفردي والجماعي تأتي كعاصفة تُعيد ترتيب خرائط الذات والمجتمع تاركة وراءها فضاءً من الاحتمالات المتسعة وأرضية من المخاوف المتعمقة.
في هذا الفضاء المتناقض ولدت تجربة تمكين استثنائية من رحم الخوف وتشكلت في بوتقة التهديد المستمر، وهذه هي قصة الصراع بين النمو الداخلي والخوف الخارجي بين الفاعلية المكتسبة والضحية المُفروضة وبين الانفتاح الحالم والانغلاق الواقعي.
لم يعد الخوف في مجتمعات ما بعد الثورة مجرد شعور عابر بل تحول إلى بنية نفسية عميقة، نسيج يومي تحاك خيوطه بين قرارات النمو المهني واختيارات السلامة الوجودية، إنه الصراع بين الرغبة في التمدد نحو آفاق جديدة والانكماش الغريزي لحماية الذات من عواقب غير مرئية لكنها ملموسة.
وفي هذا السياق، يعاد تعريف الأمان من كونه غياب التهديد المادي إلى كونه قدرة على الحفاظ على الاستمرارية الوجودية في ظل تهديدات متعددة الأوجه، ويصبح التمكين في هذه المعادلة المعقدة نوعاً من المقاومة الوجودية لتصغير الذات ولتقزيم الأحلام ولتحويل الإنسان إلى كائن خاضع لقوانين الخوف.
فتحت ثورة يناير أبواب الوعي على مصاريعها، واكتشف الشباب والنساء خصوصاً أن لديهم صوتاً، وأن بإمكانهم صناعة التغيير، وأن الفضاء العام ملك لهم كما هو ملك للسلطة، نتج عنها لحظة تحررية عميقة جعلت المستحيل ممكناً والمهمش مركزياً والصامت متكلمًا.
لكن هذا الانفتاح الواسع اصطدم بجدار الانغلاق المنظم ما إن بدأت بوادر الوعي الجديد تترسخ، حتى انطلقت آلات التشويه والتخويف والاعتقال وتحول الخطاب العام من لغة الحريات إلى لغة المخاطر، ومن خطاب الحقوق إلى خطاب الواجبات، ومن حلم التغيير إلى كابوس المحاسبة وفي هذا المناخ تحول التمكين من فرصة إلى مسؤولية مضاعفة فالمتعلم الواعي الناشط لم يعد مجرد مستفيد من لحظة تاريخية، بل أصبح حاملاً لعبء إثبات إمكانية البناء في ظل هدم مستمر وأصبحت المعرفة قوة لكنها أيضاً عبء لأنها تجعل صاحبها أكثر إدراكاً للثمن وأكثر وعياً بالخسارة.
وفي قلب هذا التناقض تقف المرأة كحالة دراسية معبرة عن تعقيدات اللحظة التاريخية ففي ثورة يناير برزت المرأة ليس فقط كمشاركة بل كقائدة وصانعة خطاب كرمز للتحرر، لكن هذا البروز جعلها هدفاً مزدوجاً هدفاً لآلة القمع كأي معارض وهدفاً لهجمات التشويه التي تستهدف أنوثتها وقيمتها الاجتماعية.
هنا تتحول المرأة إلى كائن متناقض فاعلة في الفضاء العام، وضحية في الخطاب المسيطر، وناشطة تنظم التظاهرات، وقانونية تدافع عن المعتقلين، وصحفية تكتب وتدون، وفنانة تُنتج أعمال فنية تحمل روح الثورة، وفي الوقت نفسه تُوصف في الخطاب المضاد بالمنحرفة والخارجة على التقاليد والمدمرة للأسرة.
الاعتقال هنا ليس مجرد تجربة سلبية بل يتحول إلى بوتقة تحويلية فالمرأة في السجن تواجه تهديداً مزدوجاً من تهديد لحريتها وتهديد لأنوثتها، لكن من رحم هذه التجربة القاسية تولد أشكال جديدة من الصلابة تتعلم السجينات السياسيات إعادة تعريف القوة فالقوة ليست فقط في المواجهة الصريحة بل في القدرة على الحفاظ على الكرامة في ظل الظروف المهينة في تحويل الزنزانة إلى مساحة للتعلم والتضامن في الحفاظ على الإيمان، بالسبب الذي دفعها إلى هناك ومن هذا التناقض بين الفاعلية والضحية تولد المرونة المعقدة ليست صلابة بسيطة تقاوم الكسر بل مرونة تعرف كيف تنحني دون أن تنكسر، كيف تتأقلم دون أن تتنازل كيف تتحول دون أن تفقد جوهرها.
هذه الصلابة ليست خياراً طوعياً في كثير من الأحيان، بل هي استجابة إجبارية لظروف قاهرة، لكن في عملية التحول هذه تكتسب الذات تعقيداً جديداً، فالمرأة التي كانت ترى العالم بألوان الثورة الواعدة تتعلم الآن رؤية الظلال والدرجات بين الأسود والأبيض، وتتعلم أن التمكين الحقيقي ليس في انتصارات سريعة بل في القدرة على خوض معارك طويلة غالباً ما تكون غير مرئية.
فطوّرت النساء آليات مواجهة متعددة المستويات من المقاومة العلنية في الفضاء العام إلى الصمود الخفي في الفضاءات الخاصة والشبه العامة، وتخلق لغة موازية وشبكات دعم غير مرئية وطرق للتواصل تفهمها فقط من التجربة وتُعاد تعريفات القوة، فالقدرة على الاستمرار في العمل الخيري رغم التضييق أو متابعة التعليم رغم الصعوبات أو تربية جيل جديد على قيم الحرية رغم المخاوف وجميعها أشكال من القوة الثورية اليومية.
بناء خطاب جديد للمقاومة
يُولد من رحم هذه التجارب خطاب تمكيني جديد لا يرتكز على البطولة الرومانسية بل على الاستمرارية الواقعية ويصبح السرد الشخصي وسيلة لتحويل التجربة الفردية إلى معرفة جماعية فحكايات النساء عن الاعتقال والتهديد والتشويه تتحول من مجرد شهادات إلى أدوات لفهم آلية القمع وبالتالي إلى أدوات لمقاومته.
تبني النساء أنظمة حماية بديلة شبكات تضامن غير رسمية ومساحات آمنة افتراضية وواقعية وآليات للدعم النفسي والقانوني ويصبح التمكين هنا متجذرا في التجربة اليومية بحثاً عن مصادر قوة تتجاوز الأطر السياسية المتقلبة وقوة الروابط الإنسانية والمعرفة والإبداع كوسيلة للتعبير والمقاومة.
يتحول الخوف من عدو إلى تحدي يجب التفاوض معه يومياً فلا يمكن إنكاره أو التغلب عليه بل تتم إدارته واحتواؤه وتحويله من حاجز إلى محفز للحذر الإبداعي وتصبح القدرة على العيش مع الخوف دون الاستسلام له شكلاً من أشكال التمكين العميق.
في النهاية نكتشف أن الثورة الحقيقية ليست فقط في تغيير الأنظمة بل في تغيير الذوات التمكين، في ظل الشعور بعدم الأمان ليس حالة مثالية، بل هو عملية شاقة من البناء اليومي على أرض مهتزة.
فالنساء اللواتي عشن تجربة الثورة وما بعدها خرجن منها بأشياء أكثر تعقيداً ووعياً بثمن الكلمات وبخطورة الأحلام وبقوة الضعفاء ولم يعد التمكين مجرد حصول على حقوق، بل أصبح قدرة على خلق مساحات للحرية داخل القيود وإمكانية للفعل داخل الممنوع وقوة للقول داخل حالة الصمت، وربما تكون هذه هي الثورة الأكثر عمقاً، وتلك التي تحدث في دهاليز النفس البشرية حيث تبنى الحصون الداخلية التي لا تقتحمها سجون ولا تهدمها تهديدات بل ثورة تتحول فيها الضحية إلى شاهد والخوف إلى حافز والضعف إلى مصدر لقوة أكثر إنسانية.
وفي هذه الرحلة الشاقة من الفاعلية إلى الضحية وإلى الفاعلية الأكثر نضجاً تكتشف المرأة، ويكتشف معها المجتمع أن التمكين الحقيقي هو ذلك الذي يولد من رحم المعاناة ويبنى على أنقاض الخوف، وينمو رغم كل محاولات القطع إنه التمكين الذي لا يتحقق بانتصارات سريعة بل باستمرارية النضال وبكرامة البقاء وبقوة البناء.