في ذكرى ثورة يناير 2011، تتزاحم في الذاكرة تفاصيل ووجوه غابت، ويصاحبها وجع عميق حُفر في الوجدان، سيظل حيًا ما حييت.
فمع انطلاق الاعتصام في ميدان التحرير؛ ذلك الميدان الذي امتلأ بكل أطياف الشعب، عمال، مثقفين، وأولاد البلد، طلاب، ستات البيوت. خليط مصري نادر، كان للمكان معه طعم مختلف، وروح لا تُنسى.
تختلط داخلي مشاعر الحزن والحنين والشوق، مع إحساس عميق بالاغتراب، وتطفو على الذاكرة صور الرفاق الذين فقدناهم، قبل أن تكتمل الحكاية.
أتذكر جيدًا هتافنا الموحد: “عيش… حرية… عدالة اجتماعية… كرامة إنسانية”.
كان هذا الهتاف اختصارًا لحلم جمعنا، وكان شعوري اليومي، كلما وصلت إلى بوابات الميدان، أنني أودّع خلفي عالمًا مثقلًا بالفساد والخذلان، وأدخل عالمًا مثاليًا بحق.
عالم يسوده الحب، والأمان، والإخلاص، والإصرار.
لا فرق بين رجل وامرأة، ولا بين مسلم ومسيحي، ولا بين غني وفقير.
هناك ذابت كل الفوارق لصالح الإنسانية وحدها، وكان إحساس الأمان نابعًا من تلاحمنا، رغم جهلنا بما كان يخبئه لنا المستقبل، وما كان يُحاك في الخفاء.
وقبل التنحي بيوم واحد، أتذكر كيف جاء أحد الزملاء بعدد من الكوفيات والطواقي الصوفية، كان يومًا شديد البرودة، والأمطار تهطل بغزارة، طلب مني توزيعها على الناس اتقاءً للبرد.
كنا نعتصم في خيمة حزب التجمع، وكان لها سقف من البلاستيك يحمينا من المطر. وحين بدأت توزيعها على الزملاء، قالوا لي: “إحنا قاعدين تحت سقف بيحمينا… وزّعيها على اللي برّه”، وبالفعل، وزعتها على المارة، وفجأة ضجّ الميدان بصوت واحد، كأنه زلزال يهتف: “الله أكبر.. الله أكبر”.
وتعالت الأدعية، كلٌّ بلغته، تطلب النجاة من هذا النظام، والنصر، والعودة الآمنة إلى البيوت.
كان الاعتقاد السائد أن المطر يفتح أبواب السماء لقبول الدعاء.
وكأن الدعاء استُجيب.. في صباح يوم 11 فبراير، دوّى عبر مكبرات الصوت خبر تنحي الرئيس مبارك عن الحكم.
شعرنا بالنصر. فرحنا، ورقصنا، واحتفلنا.
كنسنا الشوارع، ونظفنا الأرصفة، واحتضنا الميدان والشوارع معًا.
انتهى الكابوس.. أو هكذا ظننا، وكان أملنا أن تتحقق مطالبنا في الحرية، والعيش، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية.
لكن بعد مرور أربعة عشر عاما، ما زلنا نحلم بتحقيق هذه المطالب.
منا من فارق الحياة قبل أن يرى الحلم.
ومنا من اختار المنفى.
ومنا من عاش في بلده، لكنه ظل غريبًا.. ينتظر العودة.