بين تعقد الميدان وضعف التدخل الدولي، يظل السودان بين حرب نفوذ وصراع بقاء، فبينما تتواصل الاشتباكات في مناطق متفرقة وتزداد المعاناة الإنسانية يومًا بعد يوم، تحاول اللجنة الرباعية المعنية بالأزمة — التي تضم مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة — إعادة إحياء المسار السياسي من خلال اجتماعات مكثفة ومبادرة جديدة لوقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، يليها تسعة أشهر من المفاوضات سعياً لتسوية شاملة.
وفي هذا السياق، استطلع “القصة” آراء عدد من الخبراء والدبلوماسيين حول فرص نجاح هذه التحركات، ومدى إمكانية أن تُعيد القاهرة ترتيب أوراق الحل في ظل تراجع زخم الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية.
مصر.. موقف ثابت وداعم
إن مصر تُعد الحليف الأقرب للسودان والمساند الدائم لاستقراره، والحافظ لأمنه ووحدة مؤسساته الوطنية، هكذا يرى السفير الدكتور حسام عيسى، مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون السودان الأوضاع، مضيفا أن مصر كانت واضحة من البداية، منذ أحداث السودان عام 2018 وحتى اليوم، حيث أكدت ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية وعلى رأسها القوات المسلحة، وسعت دائمًا لدعم السودان على المستويات السياسية والإعلامية والاقتصادية والتنموية والإغاثية، مما يجعلها أحد الأطراف القليلة التي حافظت على موقف ثابت وواضح طوال هذه الفترة.
كما كانت حماية المدنيين ومنع الاعتداء عليهم أمر بالغ الأهمية وفق “عيسى”، الذي شدد على أن وقف إطلاق النار يمثل طوق النجاة للسودان، واصفًا ذلك بأنه “بصيص أمل في نهاية النفق”.
وأكد أن استمرار الحرب ليس في مصلحة أي طرف، وأن ما يحدث في السودان يعكس وجهة نظر مصر الثابتة بأن القوات المسلحة لأي دولة تمثل ضمانة المجتمع واستقراره، وهي العمود الفقري لأمنه.
الميليشيات.. الخطر الأكبر على الدولة
وشدد السفير حسام عيسى على أن الميليشيات تشكل السبب الرئيسي وراء فشل الدول، سواء في السودان أو غيرها، موضحًا أن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة ويخضع للقانون، لأن خروجه عن مؤسسات الدولة يؤدي إلى الفوضى وانعدام القانون، وهو ما يميز بين “الحرية المنظمة” و”الفوضى العارمة”.
ولفت إلى أن هناك أطرافًا أخرى تتخذ مواقف متذبذبة وتدعم بعض الميليشيات، بينما ظل موقف مصر واضحًا وثابتًا مع مؤسسات الدولة السودانية، وهو الموقف الذي أثبت صوابه بعد سقوط مدينة الفاشر، عاصمة إقليم دارفور، الذي يُعد من أكبر الأقاليم في السودان، ويغطي نحو نصف مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل ثلث مساحة البلاد تقريبًا.
وأضاف أن سقوط الفاشر صاحبه تسجيل عدد من جرائم الحرب والانتهاكات ضد الإنسانية، ارتكبتها الميليشيات المتمردة، وتم توثيقها وعرضها على وسائل التواصل الاجتماعي، ما أثار قلق العديد من الدول والمنظمات الدولية، على رأسها مصر وألمانيا والأمم المتحدة وقطر والكويت والسعودية وتركيا والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومجلس الأمن.
وأوضح أن هذه الأحداث تُبرز بوضوح الأثر المدمر للميليشيات على استقرار الدول، مشيرًا إلى أن الأمل الوحيد في الوقت الراهن يكمن في وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، والعمل على تسوية سياسية شاملة تحقق طموحات الشعب السوداني.
معاناة شعب غني بالموارد
رغم أن السودان دولة غنية بالموارد الطبيعية وذات أهمية استراتيجية كبيرة، فإن شعبها يعاني من تداعيات الحروب المستمرة منذ عام 2018 وحتى اليوم.
فقد تدهور الاقتصاد بشكل كبير، وانهارت قيمة العملة السودانية؛ إذ بلغ سعر الدولار نحو 3000 جنيه سوداني مقارنة بـ18 جنيهًا سابقًا، مسجلًا بذلك واحدة من أعلى نسب التضخم في العالم بعد فنزويلا (270%).
كما تعرضت المرافق والمستشفيات والمنازل للدمار والنهب نتيجة الحرب المستمرة لأكثر من ثلاث سنوات، والتي أسفرت عن أكثر من 100 ألف قتيل، ونزوح أو لجوء نحو 15 مليون شخص، ما جعل الأزمة واحدة من الحروب المنسية التي لم تحظَ بالاهتمام الدولي الكافي مقارنة بأزمات أخرى.
مشهد معقد
وأكد السفير عيسى أن 30 عامًا من حكم الإخوان والحركة الإسلامية أسهمت في تعقيد الوضع في السودان، موضحًا أن حل الأزمة سياسيًا لن يكون ممكنًا قبل معالجة البعد العسكري أولًا.
وقال إن الخطوة الأولى يجب أن تكون وقف إطلاق النار، تليها إيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين المتضررين، داعيًا إلى توحد السودانيين في هذه المرحلة الحرجة ووضع مصلحة البلاد فوق أي اعتبار، مع رفض أي تدخل خارجي يضر باستقرار السودان.
صراع على الموارد
بدورها، قالت الدكتورة أماني الطويل، خبيرة الشؤون الأفريقية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن الوضع الميداني في السودان بعد مرور أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب أصبح أكثر تعقيدًا واستدامةً من أي توقع مبكر.
وأوضحت أن ما بدأ صراعًا مسلحًا بين قادة تحول إلى حرب تمويلية واقتصادية ممدودة، فـ”خطوط القتال مفتوحة، والمدن تتعرض للخراب، والنزوح مستمر”، مؤكدة أن المعركة لم تعد تقتصر على السيطرة الإقليمية بل امتدت إلى السيطرة على موارد الدولة مثل مناجم الذهب والأراضي والموانئ، ما منح الحرب قدرة تمويلية كبيرة وأمدها بشكل غير متوقع.
وأضافت “الطويل” أن الصراع تجاوز البعد العسكري ليصبح سياسيًا واقتصاديًا ذا أبعاد إقليمية، مشيرة إلى أن هناك “تأثيرات وخيارات خارجية تحفز مواقف داخلية، لكن المحرك الأساسي يبقى داخليًا: منازعات شبكات النفوذ حول موارد الدولة”، موضحة أن الخارج يزن ويؤثر لكنه لم يخلق أصل الصراع، الذي يتمحور حول إعادة إنتاج السلطة والموارد داخل السودان.
الاتهامات الموجهة للإمارات ودور القوى الإقليمية
وحول اتهامات دعم الإمارات لأحد أطراف الصراع، قالت “الطويل” إن المنطقة شهدت في السنوات الأخيرة توسعًا في المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لدول إقليمية تسعى لحماية مصالحها أو لتثبيت موطئ قدم اقتصادي وسياسي.
وأضافت أن “تلك الاتهامات تُفهم في إطار تنازع إقليمي أوسع، حيث تحاول بعض الدول حماية فاعليات تجارية أو نفوذ جيوستراتيجي أو تحالفات تكسبها مواقع في تسويات مستقبلية”، لكنها شددت على ضرورة التفرقة بين الخطاب الاتهامي الإعلامي والسياسات المدعومة بالأدلة الموثقة، مؤكدة أن التحقيقات الصحفية يجب أن تميز بين الدليل الموثق وحرب الروايات.
تدمير النسيج الاجتماعي
وأكدت “الطويل” أن أثر الحرب على النسيج الاجتماعي في السودان تدميري، موضحة أن النزوح الجماعي والاستقطاب القبلي والإقليمي وانتهاك الثقة بين المجتمعات التي كانت متعايشة سابقًا، خلق شرخًا عميقًا.
ورغم ذلك، أكدت أن ترميم النسيج الاجتماعي ممكن لكنه طويل ومكلف، ويتطلب عدالة انتقالية حقيقية، ومساءلة مرتكبي الانتهاكات، وإعادة توزيع عادل للموارد، إلى جانب برامج مصالحة اجتماعية واقتصادية تستعيد الثقة وتوفر بدائل للبقاء في المناطق الريفية والزراعية المتضررة.
اقتصاد الحرب وعقبات الحل
وأوضحت “الطويل” أن هناك عقبتين أساسيتين أمام التسوية: اقتصاد الحرب، إذ تملك الأطراف مصادر تمويل مستقلة مثل الذهب والتهريب والإتاوات تمنحها القدرة على الاستمرار، ثم هشاشة الثقة السياسية وضعف مؤسسات الدولة، ما يجعل أي هدوء مؤقت هشًا، ما لم تُعاد هندسة منظومة إدارة الموارد والحوكمة.
وأضافت أن غياب الإرادة الدولية الحازمة والمتناسقة يعيق تطبيق حلول شاملة، مؤكدة أن القضية السودانية تم تهميشها دوليًا بسبب انشغال العالم بأزمات أخرى.
3 سيناريوهات لمستقبل السودان
واختتمت “الطويل” حديثها بأن هناك 3 سيناريوهات محتملة لمستقبل السودان خلال الأشهر المقبلة وهي:
استمرار الانفجار البطيء مع نزوح مستمر وتفكك مؤسساتي.
تسوية مؤقتة تستند إلى هدنة ونقل موارد تحت إشراف دولي، لكنه سلام هش ما لم يُبن إطار واضح لحوكمة الموارد.
مسار انتقالي تقوده آليات رقابية دولية أو إقليمية تفرض ضبطًا مؤسسيًا على الموارد، ما قد يتيح فرصة لاستقرار بطيء إذا قبلت الأطراف بالتقيّد بمحددات اقتصادية وشفافية.
ورأت “الطويل” أن ما يجري في السودان هو “حرب نفوذ بين شبكات داخلية — عسكرية، قبلية، واقتصادية — حول إدارة موارد الدولة، مع تدخلات ومصالح خارجية تحاول استثمار الفوضى أو توجيه التسوية”، مؤكدة أن وصف الأزمة بأنها “مؤامرة دولية لتفكيك السودان” يختزل التعقيد، لأن أصل الأزمة داخلي ويرتبط بشبكة مصالح اقتصادية متجذرة داخل الدولة نفسها.