منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر 2023، تحول الأطفال إلى الفئة الأكثر هشاشة في واحدة من أعنف الحروب التي شهدها القطاع فبين القصف المكثف، وانهيار المنظومة الصحية، والحصار الخانق، وجد آلاف الأطفال أنفسهم أمام إصابات مغيرة للحياة، أبرزها بتر الأطراف، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية المستمرة.
الوجه الأكثر قسوة
يقول الدكتور محمود فرحات، المتخصص في علاج الاضطرابات النفسية والسلوكية لدى الأطفال في غزة، وأحد كوادر منظمة أطباء بلا حدود لـ”القصة”، إن “الأطفال في غزة لا يعانون فقط من إصابات جسدية بالغة، بل من صدمة مركبة تجمع بين الألم الجسدي، والخسارة النفسية، وفقدان الشعور بالأمان”.

الأسباب
يقول، وفق المعطيات الميدانية والمنظمات الدولية، تعود الإصابات الواسعة بين الأطفال في غزة إلى سببين رئيسيين:
القصف المكثف باستخدام أسلحة انفجارية في مناطق سكنية مكتظة، ما أدى إلى إصابات مباشرة بشظايا وانهيار مبانٍ فوق ساكنيها.
انهيار الخدمات الصحية نتيجة تدمير المستشفيات ونقص المواد الطبية، الأمر الذي أعاق عمليات الإخلاء السريع والتدخل الجراحي العاجل، وتسبب في تفاقم الإصابات وتحولها إلى إعاقات دائمة.
إصابات تتجاوز الجسد
وتشير التقارير الطبية، بحسب ما أوضحه الدكتور محمود فرحات، إلى أن الأطفال المصابين بالبتر في غزة تعرضوا لعدة أنماط من الإصابات: بتر الأطراف السفلية، وهو الأكثر شيوعًا، ويشمل فقدان كامل أو جزئي للساق، سواء من مفصل الركبة أو أسفلها أو أعلى الفخذ. وغالبًا ما ينتج عن شظايا القصف أو انهيار المباني، ما يحرم الطفل من القدرة على الحركة الطبيعية في عمر هو الأهم للنمو الجسدي.
بتر الأطراف العلوية، ويشمل فقدان اليد أو جزء من الذراع، وهو أقل انتشارا من بتر الأطراف السفلية، لكنه أكثر تأثيراً على حياة الطفل اليومية، خاصة في ما يتعلق بالتعلم، واللعب، والاعتماد على النفس.
البتر الثنائي أو المتعدد، وهي من أخطر الحالات، حيث يفقد الطفل طرفين أو أكثر، كفقدان الساقين معًا أو ذراع وساق في آن واحد، ما يضعه أمام احتياجات تأهيلية ونفسية معقدة وطويلة الأمد.
أكثر من الأرقام
ورغم صعوبة التوثيق الدقيق بسبب استمرار القتال وقيود الحركة، تقدم المنظمات الدولية تقديرات تعكس حجم الكارثة يقول فرحات بأن:
بلغ عدد المصابين بإصابات مغيرة للحياة في غزة نحو 41,844 شخصًا حتى سبتمبر 2025، يشكل الأطفال قرابة ربعهم.
وتجاوز عدد حالات البتر 5,000 حالة منذ بداية الحرب، بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية.
كما تشير بيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني إلى أن أكثر من 10,000 طفل يعيشون بإصابات شديدة تسببت في إعاقات دائمة ويحتاجون إلى إعادة تأهيل عاجلة، ويوضح أن في فترات الذروة، سجلت تقارير طبية أكثر من 10 حالات بتر يوميًا بين الأطفال.
وحذر فرحات، من أن “هذه الأرقام قد تكون أقل من الواقع، بسبب صعوبة الوصول إلى جميع المناطق وتسجيل الحالات”.
معاناة مركبة
لا تقتصر معاناة الأطفال المصابين بالبتر على فقدان الطرف فقط، بل تمتد إلى تحديات جسيمة: تحديات طبية، نقص حاد في الخدمات الجراحية المتقدمة والأطراف الصناعية بسبب الحصار.
قلة أطباء التأهيل والمختصين، بعد مقتل أو إصابة عدد كبير منهم خلال الحرب، إصابات معقدة تتضمن جروحًا عميقة، التهابات مزمنة، آلاما مستمرة، ومشكلات في نمو العظام لدى الأطفال.
تحديات
وأشار فرحات، إلى صدمة فقدان الطرف، أو فقدان أحد الوالدين أو كليهما، وما يرافق ذلك من قلق واكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة، عزلة اجتماعية بسبب الندوب الجسدية وصعوبة الاندماج في المدرسة والمجتمع.
شعور متزايد بفقدان الأمل وتراجع القدرة على اللعب والمشاركة في الحياة الطبيعية.
تحديات لوجستية تكمن، في نقص شديد في الكراسي المتحركة والعكازات ووسائل التنقل.
قيود على خروج المرضى للعلاج خارج القطاع.
تراجع قدرة مراكز إعادة التأهيل، التي تعمل بموارد محدودة وغير كافية.
تشير تقديرات اليونيسف إلى أن أكثر من 56,000 طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما منذ بداية الحرب، هؤلاء الأطفال، ومن بينهم من فقدوا أطرافهم، يواجهون صدمة مضاعفة، ويحتاجون إلى رعاية نفسية واجتماعية ومعيشية طويلة الأمد.
احتياجات
بحسب الدكتور محمود فرحات، تتوزع احتياجات الأطفال المصابين بالبتر على ثلاث مراحل: احتياجات عاجلة: إدخال مواد الأطراف الصناعية، مستلزمات طبية أساسية، وخدمات تخفيف الألم.
احتياجات قصيرة ومتوسطة المدى: برامج إعادة تأهيل فيزيائي ونفسي، تدريب فنيين محليين، وتوفير أدوات مساعدة.
احتياجات طويلة الأمد: دمج تعليمي واجتماعي، دعم نفسي مستمر، تأمين دخل للأطفال الأيتام، وسياسات تحمي حقوق ذوي الإعاقات.
حياة كاملة الفقد
الأرقام وحدها لا تكفي لوصف حجم المأساة، فخلف كل حالة بتر طفل فقد جزءًا من جسده، وربما أسرته، وربما حلمه البسيط في اللعب والجري. ويؤكد د. محمود فرحات أن إنقاذ هؤلاء الأطفال لا يقتصر على وقف النزيف الجسدي، بل يتطلب التزاما دولياً حقيقيا بإعادة تأهيلهم نفسيا واجتماعيا، ومنحهم فرصة لحياة كريمة رغم كل ما فقدوا.

