لم تكن جرينلاند يوماً في قلب التفكير الاستراتيجي الأوروبي. لسنوات طويلة، عوملت الجزيرة القطبية باعتبارها ملفًا سياسيًا حساسًا، لا أولوية أمنية أو تكنولوجية. هذا الإهمال هو ما جعلها اليوم نقطة عمياء أوروبية—وهو أيضاً ما حوّلها إلى المُحفِّز الأخطر لصحوة أوروبا الرقمية والاستراتيجية.
حين أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب طرح فكرة “الاستحواذ” على جرينلاند باعتبارها “ضرورية للأمن القومي والعالمي”، لم يكن يختبر فقط حدود القانون الدولي، بل كان يختبر ما إذا كانت أوروبا قادرة على الدفاع عن سيادتها في عالم لم تعد تحكمه القواعد وحدها.
صدام علني يهزّ التحالفات
في يناير 2026، ومع انعقاد منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، خرج الخلاف من الغرف المغلقة إلى العلن. ترامب لم يكتفِ بالتصريحات العامة، بل نشر رسائل خاصة وتبادل تعليقات مباشرة مع قادة أوروبيين، كاشفاً حجم التصدّع في العلاقات عبر الأطلسي.
في إحدى الرسائل التي نشرها بنفسه، كتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لترامب:
“لا أفهم ما الذي تفعله بشأن جرينلاند”
أما الرد الأميركي، فجاء عبر تصعيد لا لبس فيه، إذ كرر ترامب أن السيطرة على الجزيرة “حتمية”، مضيفًا: “سنفعل شيئًا بشأن جرينلاند سواء أحبّوا ذلك أم لا”.
أما مع النرويج، فقد بلغ التوتر مستوى غير مسبوق. عندما طلب رئيس الوزراء النرويجي فتح قناة حوار لاحتواء الأزمة، ردّ ترامب برسالة مقتضبة قال فيها إنه “غير مهتم بالنقاش”، مبررًا ذلك بأن بلاده “لم تمنحه جائزة نوبل للسلام”، ومؤكداً أن أولوياته “أميركية بحتة”.
ولم تسلم المملكة المتحدة من الهجوم. فقد وصف ترامب قرار لندن تسليم جزر تشاجوس لموريشيوس بأنه “تصرف غبي وضعيف”، معتبرًا أنه دليل على أن الحلفاء الأوروبيين “لا يفهمون منطق القوة”، ومستخدمًا ذلك كمبرر إضافي لضرورة “أخذ جرينلاند”.
هذا الأسلوب—العلني، الشخصي، والضاغط—حمل رسالة واضحة: التحالفات لم تعد تمنح حصانة من الإكراه!
الرد الأوروبي: لغة جديدة ونبرة غير مسبوقة
التحول الأهم لم يكن في تصعيد ترامب، بل في الرد الأوروبي. من دافوس، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين أن رد الاتحاد الأوروبي سيكون:
“حازماً، موحّدًا، ومتناسباً”.
وأكدت أن سيادة الدنمارك وجرينلاند “غير قابلة للتفاوض”، ووصفت التهديد بالرسوم الجمركية بأنه “خطأ، خاصة بين حلفاء تاريخيين”. وأضافت في رسالة موجهة بوضوح إلى واشنطن: “في السياسة كما في الأعمال، الصفقة تبقى صفقة. وعندما يتصافح الأصدقاء، يجب أن يعني ذلك شيئاً”..
وفي تصريح لافت، حذّر رئيس وزراء بلجيكا من أن ترامب “يتجاوز خطوطًا حمراء”، مشيرًا إلى أن ثمانين عامًا من الأطلسية قد تكون على وشك نهايتها إذا استمر هذا النهج.
للمرة الأولى منذ عقود، لم تكتفِ أوروبا بالاحتجاج، بل بدأت تتحدث بلغة القوة والمصالح. لكن هل تكفي هذه التصريحات والتي لا تدعمها قوة حقيقة وازنة على الأرض؟
جرينلاند: من هامش جغرافي إلى عقدة استراتيجية
من منظور واشنطن، تمثل جرينلاند أصلًا استراتيجيًا بالغ الأهمية. موقعها في فجوة GIUK البحرية يجعلها مركزًا لمراقبة الغواصات والطرق البحرية. وهي نقطة محورية للإنذار المبكر، والاتصالات الفضائية، والبنية التحتية للأقمار الصناعية.
المفارقة أن أوروبا نفسها فشلت طويلاً في التعامل مع جرينلاند باعتبارها أولوية استراتيجية. تُركت الجزيرة بهيكل أمني محدود، واستثمارات متواضعة، واعتماد شبه كامل على الولايات المتحدة في الدفاع والاتصال. وفي عصر تنافس القوى الكبرى، لا يبقى أي فراغ بلا ثمن.
من الجغرافيا إلى السيادة الرقمية
أزمة جرينلاند كشفت إدراكًا أعمق داخل أوروبا: أن السيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد مسألة حدود فقط، بل مسألة بيانات، سحابة رقمية، رقائق إلكترونية، ومعادن نادرة.
الاعتماد الأوروبي الواسع على التكنولوجيا الأميركية—من الحوسبة السحابية (Cloud Computing) إلى الذكاء الاصطناعي—بدأ يُنظر إليه باعتباره نقطة ضعف استراتيجية. فإذا كانت التجارة والرسوم تُستخدم كورقة ضغط، فما الذي يمنع استخدام التكنولوجيا بالطريقة نفسها؟
من هنا، تسارعت خطوات أوروبية ملموسة:
• إنشاء مصانع ذكاء اصطناعي أوروبية،
• توسيع توطين صناعة الرقائق،
• كسر الاحتكار في الخدمات السحابية،
• وتأمين سلاسل توريد المعادن النادرة الموجودة في جرينلاند.
وفي دافوس، أعلنت فون دير لاين عن حزمة أوروبية متكاملة لدعم أمن واستقرار القطب الشمالي، تشمل استثمارات مباشرة في جرينلاند، في إشارة إلى أن أوروبا قررت سدّ فراغها الاستراتيجي بنفسها.
جرينلاند.. نقطة ضعف أم فرصة استراتيجية؟
من الدروس المهمة التي يجب أن تستخلصها أوروبا، أن خطاب ترامب حول “أخذ” جرينلاند ليس جديدًا، ولا يمتلك أساساً قانونيًا يبرره. جرينلاند إقليم ذاتي الحكم داخل مملكة الدنمارك، وهي جزء من حلف الناتو ومحمية بالقانون الدولي، ولا توجد أي مسارات قانونية تسمح بـتدخل على غرار فنزويلا في الدائرة القطبية.
لكن القانون وحده لا يضمن الأمن. الدرس المستفاد مما فعله ترامب بعملية اختطاف رئيس فنزويلا هو أن الإدارة الأميركية تتحرك حيث ترى أن السيطرة ممكنة، والمقاومة ضعيفة، ولا توجد بدائل واضحة. إذا كانت أوروبا ترغب في ضمان ألا تكون جرينلاند عرضة للضغط من أي قوة خارجية — لا الولايات المتحدة، ولا روسيا، ولا الصين — فعليها أن تنتقل من مجرد الاحتجاج إلى خطوات استراتيجية فعلية: تعزيز القدرات الدفاعية، استثمار البنية التحتية الحيوية، وتأمين مواردها، بحيث تصبح القوة الأوروبية على الأرض رادعًا حقيقياً لأي محاولة ابتزاز.
الخلاصة
جرينلاند ليست للبيع، هذا ما يتفق عليه قادة أوروبا.
لكنها كشفت ما هو أخطر: أن أوروبا ظلت طويلًا تعتمد على القواعد دون أن تبني القوة التي تحميها.
الذي يحدث من حليفها الأساسي، الولايات المتحدة الأمريكي، أظهر بشكل واضح أن على الدول الأوروبية مواجهة الفجوة بين قيمها وقدراتها، وبين خطابها وواقعها. وأظهرت أن السيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُبنى على القوانين والشعارات فقط، بل على القوة والقدرة على حماية المصالح.
لم تُشعل الجزيرة الأزمة، بل فضحتها، وكانت المُحفِّز الذي أجبر أوروبا على مواجهة واقع جديد: عالم تُدار فيه السياسة بالضغط لا بالافتراضات، وبالقدرة لا بالنيات الحسنة.
جرينلاند كشفت نقطة أوروبا العمياء—وربما تكون بداية نهاية اتحادها.. سوف نرى