في وقت تتصاعد فيه حدة الصراع الدولي بين القوى الكبرى، عادت جزيرة جرينلاند لتفرض نفسها بقوة على أجندة السياسة العالمية، بعد تصريحات وتهديدات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعادت فتح ملف السيادة والنفوذ في القطب الشمالي، وأثارت تساؤلات واسعة حول حدود القوة الأمريكية، وموقف القانون الدولي، ودور حلف الناتو في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
وبينما ترى واشنطن في جرينلاند موقعًا استراتيجيًا لا يمكن التفريط فيه، تحذّر أصوات قانونية من أن ما يجري يمثل استعمارًا جديدًا بثوب قانوني، يهدد أسس النظام الدولي القائم على السيادة وعدم استخدام القوة.
جرينلاند.. موقع استراتيجي في قلب المصالح الأمريكية
قال الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، إن جرينلاند تتمتع بموقع استراتيجي كبير، مؤكدًا أنها تقع ضمن مناطق شديدة الأهمية للمصالح الأمريكية، مشيرًا إلى أن وثيقة الأمن القومي الأمريكي لعام 2025، التي صدرت منذ نحو شهر، أكدت أهمية هذه الجزيرة وامتداداتها الاستراتيجية.
وأضاف طارق لـ”القصة”، أنه بطبيعة الحال تمثل مطمعًا لكل من روسيا والصين، وأشار إلى أن الموضوع لن يتجه إلى العمل العسكري أو الدخول في مواجهة مباشرة، بل على العكس سيكون هناك نوع من المناورات.
وأشار إلى أن العرض الذي طرحه الرئيس ترامب هو شراء الجزيرة، وليس احتلالها أو محاولة منازعة الدنمارك في الولاية والسيادة.
الناتو والدنمارك.. خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها
وأكد أن الدنمارك دولة أوروبية، موضحًا أنه لا يمكن لدول حلف الناتو أن تتخلى عما يمكن أن يكون التزامًا قائمًا، وأضاف الدكتور طارق أنها قد تدخل في منازعة مع أمريكا، مؤكدًا أن كل السيناريوهات واردة، لأن الدنمارك دولة موقعة على اتفاقيات الدفاع، وعلى ميثاق ما يعرف بالنظام الدفاعي لمجلس الأمن، بالإضافة إلى الاتفاق الخاص بنطاق حلف الأطلنطي.
وأضاف أن البنود الأساسية تنص على أنه في حال حدوث أي اعتداء على أي دولة من الدول الأوروبية، فإن أعضاء الحلف يضمنون الدفاع عنها.
وأشار إلى أن حالة أوكرانيا تختلف تمامًا عن حالة الدنمارك، باعتبار أن مملكة الدنمارك تسيطر سيطرة كاملة، ولها الأولويات والمناعة السيادية على ما يعرف بالجزيرة.
ترامب والتوازنات داخل الناتو
وأوضح طارق، أنه حتى الآن نحن في الفصل الأول، وأن تهديدات الرئيس ترامب تأتي في سياق ربما تكون له حسابات أكبر، لكن إذا قام ترامب بأي عمل غير محسوب، فستكون نهاية ما يعرف بالتنسيق الاستراتيجي داخل حلف الناتو، وستكون لذلك تبعات خطيرة على الحلف بكل ما فيه من مقومات.
وأضاف أن ترامب يريد عسكَرة السياسة الخارجية، عكس ما يقوم به في غزة أو في روسيا وأوكرانيا، ولكن في النهاية يبقى الصراع الدولي ممتدًا.
مقايضة النفوذ بين القوى الكبرى
وأشار إلى أنه ستكون هناك لعبة قد تسمى بالمقايضة السياسية والمقايضة الدولية، حيث إن الولايات المتحدة تطرق النطاقات الاستراتيجية للصين في بحر الصين الجنوبي وفي ملف تايوان، مقابل أن تطرق روسيا والصين للولايات المتحدة الفناء الخلفي أو ما يعرف بالأمريكيتين.
وأكد أن الأزمة الروسية الأوكرانية ستكون حاكمة لكثير من الأمور، لكننا الآن في مرحلة الصراع الدولي، وعنوانها سيكون مقايضة القوى الكبرى التي ستحكم النطاقات الاستراتيجية للأطراف الفاعلة.
القانون الدولي يحذر.. جرينلاند ليست للبيع
من جانبه، حذّر الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام بجامعة الإسكندرية وعضو الجمعية الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، من أن تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسيطرة على جرينلاند تمثل انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ السيادة الإقليمية، واصفًا إياها بأنها استعمار جديد بوجه قانوني.
وأكد مهران لموقع “القصة”، أن الوضع القانوني لجرينلاند محدد بدقة في القانون الدولي، فهي إقليم يتمتع بحكم ذاتي متقدم ضمن مملكة الدنمارك، ويحكمه قانون الحكم الذاتي الصادر في 12 يونيو 2009، موضحًا أن جرينلاند جزء لا يتجزأ من مملكة الدنمارك بموجب الدستور الدنماركي، وأن الدنمارك تمارس السيادة الكاملة على جرينلاند في العلاقات الدولية، وتتحمل مسؤولية الشؤون الخارجية والدفاع والأمن، ما يعني أن أي تهديد لجرينلاند هو تهديد مباشر للدنمارك نفسها.
وشدد أستاذ القانون الدولي على أن قانون الحكم الذاتي لعام 2009 منح جرينلاند صلاحيات واسعة في الشؤون الداخلية، تشمل البرلمان والحكومة والسلطة القضائية والشرطة والموارد المعدنية والتعليم والصحة والشؤون الاجتماعية، لكن الأهم قانونيًا أن ديباجة قانون 2009 تنص صراحة على أن شعب جرينلاند هو شعب، بموجب القانون الدولي، له الحق في تقرير المصير، وأن المادة 21 من القانون تنص على أن قرار الاستقلال يعود حصريًا لشعب جرينلاند عبر موافقة البرلمان الجرينلاندي واستفتاء شعبي ومفاوضات مع الدنمارك.
تهديد باستخدام القوة وجريمة قانونية
وفي رده على إمكانية التدخل الأمريكي، أكد مهران أن تهديدات ترامب تنتهك المبادئ الأساسية للقانون الدولي، خاصة المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، مشيرًا إلى أن تصريح ترامب بأنه سيحصل على جرينلاند باللين أو بالشدة، وتصريح البيت الأبيض بأن استخدام الجيش الأمريكي خيار مطروح دائمًا، يمثلان تهديدًا مباشرًا وصريحًا باستخدام القوة ضد دولة ذات سيادة، وهذه جريمة في القانون الدولي.
وأضاف أن الدنمارك دولة ذات سيادة كاملة وعضو مؤسس في الأمم المتحدة منذ عام 1945 وعضو في حلف الناتو، ولا يحق لأمريكا، مهما كانت قوتها، أن تفرض إرادتها على إقليم دنماركي بالقوة أو التهديد.
من شراء الأقاليم إلى حق تقرير المصير
وحول إمكانية شراء الأقاليم في القانون الدولي المعاصر، قدم مهران تحليلًا تاريخيًا مؤكدًا أن الدول كانت تاريخيًا تشتري وتبيع الأقاليم، فأمريكا اشترت ألاسكا من روسيا عام 1867، ولويزيانا من فرنسا عام 1803، وجزر العذراء من الدنمارك عام 1917، لكن كل ذلك كان في الحقبة الاستعمارية قبل إنشاء الأمم المتحدة وقبل أن يصبح حق تقرير المصير قاعدة آمرة في القانون الدولي.
وشدد على أنه في القانون الدولي المعاصر لم تعد الأقاليم بضائع يمكن بيعها وشراؤها دون اعتبار لإرادة سكانها، فحق تقرير المصير أصبح قاعدة آمرة لا يمكن الانتقاص منها، ويتطلب موافقة السكان الحرة في أي تغيير للسيادة.
كما أشار إلى أن سكان جرينلاند، البالغ عددهم 57 ألف نسمة، رفضوا بشدة الفكرة، وأن رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن أكدت مرارًا أن جرينلاند ليست للبيع، واصفًا عرض ترامب بدفع 100 ألف دولار لكل جرينلاندي للموافقة على الانضمام بأنه رشوة صريحة وإهانة للشعب الجرينلاندي واستخفاف بحقه في تقرير المصير.
وبخصوص القواعد العسكرية الأمريكية في جرينلاند، أوضح الدكتور مهران أن أمريكا لديها وجود عسكري منذ الحرب العالمية الثانية يستند إلى اتفاقية الدفاع عن جرينلاند الموقعة عام 1951 بين أمريكا والدنمارك، والتي جرى تحديثها عام 2004 بمشاركة حكومة جرينلاند، مؤكدًا أن هذا الوجود مشروع لأنه قائم على اتفاق بين دولتين ذات سيادة وضمن إطار حلف الناتو، لكن هذا لا يعني إطلاقًا أن لأمريكا أي حقوق سيادية على جرينلاند، أو حقًا في ضم الإقليم، أو أن الوجود العسكري يبرر فرض السيطرة بالقوة.
ازدواجية المعايير والقطب الشمالي
وضرب الخبير الدولي مثالًا بروسيا، التي كانت لديها قاعدة عسكرية في شبه جزيرة القرم بموجب اتفاق مع أوكرانيا، لكن عندما ضمت روسيا القرم بالقوة عام 2014 اعتبر العالم كله هذا عدوانًا وانتهاكًا للقانون الدولي، وفرضت عقوبات قاسية على موسكو، متسائلًا: لماذا يُعد ضم روسيا للقرم جريمة، بينما يطالب ترامب بضم جرينلاند ولا أحد يتحرك، في ازدواجية معايير فاضحة؟
وفيما يتعلق بالإطار القانوني للقطب الشمالي، كشف مهران أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 هي الإطار القانوني الأساسي للقطب الشمالي، وأن جميع الدول القطبية الشمالية صادقت عليها إلا الولايات المتحدة، رغم توقيعها عليها عام 1982، مشيرًا إلى أن إعلان إيلوليسات عام 2008، الذي وقّعته أمريكا نفسها، أكد أن قانون البحار هو الإطار القانوني ذي الصلة في القطب الشمالي.
وأكد أن القطب الشمالي ليس منطقة مفتوحة للتنافس الفوضوي، بل محكوم بنظام قانوني شامل، لكن المشكلة أن أمريكا تتحدث عن القانون دون أن تصادق على الاتفاقية، وتريد فرض إرادتها بالقوة على إقليم تابع لدولة حليفة.
صراع نفوذ أم اختبار للنظام الدولي؟
واختتم مهران، بالتأكيد على أن ما يحدث هو استعمار جديد بوجه قانوني، فالمبررات نفسها تتكرر، مشيرًا إلى أن الطمع في موارد جرينلاند من معادن نادرة ونفط وغاز، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي، هو أساس النزاع، مشددًا على أن القانون الدولي موجود، لكنه يُطبّق على الضعفاء فقط، بينما تتمتع القوى الكبرى بحصانة فعلية، وهذه هي أكبر أزمة يواجهها النظام الدولي اليوم.