أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

المرأة ساحة معركة بين تحرير الجسد وتجسيده في وسائل الإعلام

من التحرير إلى التملك

لطالما شغل الجسد الأنثوي موقعاً متناقضاً في الفكر الإنساني عبر العصور وفي الفلسفة الغربية تتراوح نظرة الجسد الأنثوي بين قطبين متعارضين من جسد مثالي مكتمل الجمال، كما تجسد في تماثيل فينوس الإغريقية إلى جسد ناقص وناقض للعقل كما صوره أرسطو مروراً بالجسد المقدس في الأيقونات المسيحية الذي يمثل الطهر والتجسد الإلهي والجسد الدنس في الخطاب الديني الذي يجسده إغراء حواء وخطيئتها الأصلية هذا الثنائي المقدس، والدنس ظل يلاحق تمثيلات الجسد الأنثوي عبر التاريخ مما جعله موضوعاً للتناقض والصراع الدائم بين التمجيد والتجريم.

مع صعود الموجة الثانية من الحركة النسوية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي تحول الجسد الأنثوي من موضوع للنقاش إلى ساحة معركة سياسية مباشرة جعلت المنظرات النسويات مثل سيمون دي بوفوار وكيت ميليت وجوديث بتلر من السيطرة على الجسد محورًا مركزيًا للنضال ضد النظام الأبوي لم يكن التركيز على الجمال أو الوظيفة البيولوجية بل على السيادة السياسية عليه والمطالب الأساسية تمحورت حول الحق في الإجهاض كسيطرة على العمليات الإنجابية والحرية الجنسية كتحدٍ للأخلاقيات الجنسية التقليدية، والتحرر من موضة الحملات والأحزمة الضيقة كتمرد على معايير الجمال المقيدة وكانت الفكرة المركزية هي تحويل الجسد من موضوع يُنظر إليه ويُتحكم به إلى ذات تملك إرادتها وتقرر مصيرها.

أخبار ذات صلة

large (1)
الزمالك يعبر أوتوهو إلى نصف نهائي الكونفدرالية في مباراة شهدت حراسة الجزيري لمرمى الأبيض
أهلا بالعيد صفاء أبو السعود
العيد في الفن اليوم.. بهجة حقيقية أم تكلف واصطناع؟
images (4) (1)
تحت أنظار البرنس المصري.. السيتيزنز بطلاً لكأس كاراباو للمرة التاسعة في تاريخه

ومن هنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى فما بدأ كحركة تحررية جذرية تحول تدريجيًا إلى سلعة في السوق الرأسمالية واستوعب النظام الرأسمالي ببراعة خطاب التحرر الجسدي وحوله إلى أداة للترويج والاستهلاك، فتحولت شعارات التملك الجسدي والحرية الجنسية من مطالب سياسية إلى استراتيجيات تسويقية تبيع منتجات من مستحضرات تجميل إلى ملابس داخلية.

هنا يبرز مفهوم النسوية الرأسمالية أو نسوية السلطة الذي انتقده عدد من المنظرات النسويات هذه النسوية المختزلة تحول التحرر إلى قوة شرائية ونجاح فردي حيث تصبح المرأة المحررة هي المرأة التي تستطيع شراء منتجات تجعلها أكثر جاذبية وأكثر شباباً وأكثر توافقاً مع معايير جمالية ما زالت في جوهرها أبوية فالتحرر يصبح هنا مسألة اختيار شخصي اختيار الخضوع لعمليات تجميل واختيار تقديم الجسد كسلعة في سوق العمل أو الترفيه.

أصبحت وسائل الإعلام ساحة لمعركة مرئية حيث تعمل وسائل الإعلام المعاصرة على تعميق هذا التناقض من خلال تقديم صورة المرأة القوية التي تظهر وهي تتباهى بجسدها ولكن ضمن أطر جمالية محددة ومقيدة يتم تسويق فكرة القوة الجنسية كشكل من أشكال التمكين بينما تظل المرأة في هذه الصورة تخضع لمعايير جمالية ضيقة كالشباب الدائم والنحافة المثالية والجاذبية المحددة سلفاً ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي ازدادت حدة هذه المعركة فـ منصة مثل إنستجرام تقدم نفسها كفضاء للتمكين والتعبير الذاتي بينما تفرض في الواقع نظاماً جمالياً عالمياً معولماً تحول الجسد الأنثوي إلى مشروع قيد التطوير الدائم عبر الفلاتر والتحرير الرقمي وعمليات التجميل، ما يُقدم على أنه تعبير شخصي يخفي في الحقيقة امتثالية عميقة لمعايير جمالية مهيمنة.

من التشييء التقليدي إلى اقتصاد الانتباه

لم يعد تشييء جسد المرأة في الثقافة المعاصرة يعمل بنفس الآليات الظاهرة التي عرفها القرن العشرين حيث كان الجسد الأنثوي يُختزل إلى موضوع جنسي أو عبء أسري بل تحول التشييء إلى عملية أكثر تعقيداً ودهاء تتخفى خلف خطاب التمكين والتحرر وتتكيف مع منطق اقتصاد الانتباه الرأسمالي الجديد فهذا التشييء الجديد لا يجرد المرأة من إنسانيتها بصورة مباشرة بل يقدم لها هوية متحررة ومتمكنة ومشروطة بالاستهلاك والأداء البصري محولاً الجسد من كيان بيولوجي واجتماعي إلى رأس مال بشري في سوق تنافسية لا ترحم.

أصبح التمكين استراتيجية تسويقية لتحرير وهمي حيث شهدت الفضاءات الإعلامية المعاصرة طفرة في الحملات التي تستخدم لغة التمكين النسوي لبيع المنتجات شعارات مثل “أنتِ تستحقين الأفضل والقوة الأنثوية” وهذه لم تعد حكراً على الخطاب الحقوقي بل أصبحت أدوات تسويقية فعالة لبيع مستحضرات التجميل كالملابس والمكملات الغذائية، وحتى الخدمات المالية والخدمات الطبية.

تقوم هذه الاستراتيجية على اختطاف لغة التحرر وتحويلها إلى سلعة فبدلاً من ربط التمكين بالاستقلال الاقتصادي والمساواة السياسية أو التحرر من الهياكل البطريركية يتم اختزاله إلى فعل استهلاكي فردي كوني، نفسكِ تعني هنا اشتري هذا الماسك ارتدي هذه الملابس اظهري بهذه الطريقة فالاختيار الشخصي يتحول إلى اختيار بين علامات تجارية، والحرية تصبح حرية اختيار المنتج الأغلى أو الأكثر رواجاً حيث تم تصوير المنتجات ليس كوسائل لتحقيق الراحة أو الجمال التقليدي بل كأدوات ضرورية لتحقيق الذات النسوية المعاصرة، اللوشن ليس مجرد ترطيب البشرة بل هو خطوة نحو حب الذات وحقيبة اليد ليست لحمل الأغراض بل هي تعبير عن قوتك الداخلية وهكذا تُخلق حاجات استهلاكية جديدة مرتبطة مباشرة بالهوية، مما يجعل رفض الاستهلاك يبدو كرفض للتحرر نفسه.

مفارقة المعايير التحررية فإذا كان المعيار الجمالي القديم النحافة المفرطة والأنوثة التقليدية قد تعرض للنقد باعتباره قمعيًا، فقد ظهرت معايير جديدة تحت شعار التحرر وهي بنفس القسوة وإن تحت مسمى مختلف، فمعايير الجسد المتحرر جسد رياضي قوي يظهر الجهد والانضباط جلد برونزي أو فاتح بشكل طبيعي خالٍ من العيوب بشكل يشبه الفلاتر الرقمية، وجسد جريء في عرضه لكن ضمن حدود مقبولة اجتماعياً ومربحة تجارياً جسد يعلن عن الصحة والقوة والثقة، لكنه في الواقع جسد خاضع لرقابة ذاتية شرسة ومكلف مادياً كـ “اشتراكات النوادي الرياضية الباهظة – الأطعمة العضوية – الجرعات التجميلية – الملابس الرياضية ذات العلامات التجارية”.

فالاختيار الشخصي كأيديولوجيا حيث تكمن قوة هذه المعايير الجديدة في تغليفها بخطاب الاختيار الشخصي والاهتمام بالذات، فالنقد الموجه لها يُرد عليه بـ “هذا اختياري أنا أفعل هذا لنفسي” لكن السؤال هنا من يحدد معنى الاهتمام بالذات؟ لقد تحول من مفهوم يرتكز على الراحة النفسية والحدود الصحية إلى قائمة مهام استهلاكية وأدائية كروتين العناية المكثف، إذ أصبحت المرأة حرة في اختيار أن تخضع لمعيار قاسي لكن تحت وهم أنه معيارها الخاص متجاهلة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والرمزية الهائلة التي تشكل رغباتها.

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة المعركة المزدوجة حيث تمثل منصات مثل إنستجرام وتيك توك مختبراً حياً لهذا التناقض، إذ يتجلى الصراع بين إعادة امتلاك الجسد وإعادة تشييئه بأقصى وضوح ككسر المحرمات، فسمحت هذه المنصات للنساء بمشاركة تجاربهن مع الحيض والولادة وتساقط الشعر والأمراض الجلدية وحتى تجارب التحرش والعنف مما كسر ثقافة الصمت وخلق تضامنًا غير مسبوق.

ظهرت مؤثرات بأجساد متنوعة الأشكال والأحوال لتتحدى النموذج الواحد السائد في الإعلام التقليدي مما وسع نطاق المقبول اجتماعيًا، وتشكلت مجموعات ومجتمعات افتراضية تدعم النساء في قضايا تتعلق بالجسد والصحة النفسية مقدمة مساحة للتعبير خارج المؤسسات التقليدية.

ومن ناحية أخرى، تعميق اقتصاد الانتباه إذ يقوم على جذب الانتباه اللايكات والمشاركات والمتابعين، ويصبح الجسد هو رأس المال الأساسي، يؤدلج الجسد حيث يُحوَّل إلى إيديولوجيا أداء لذلك يجب أن يكون دائماً في حالة عرض لائقاً جذاباً قابلاً للاستهلاك بصرياً فتتحول المرأة إلى علامة تجارية، إذ يجب أن يكون مظهرها متسقاً مع هذه العلامة سواء أكانت الفتاة الرياضية المتحررة الجريئة أو المهتمة بالصحة فالذات تُختزل إلى صورة قابلة للتسويق ونظام المتابعين واللايكات يخلق حلقة مفرغة من التقييم الذاتي القاسي، إذ تُقاس القيمة الاجتماعية والاقتصادية بعدد التفاعلات.

هذا يؤدي إلى تعديل السلوك والعرض ليتوافق مع ما يجلب الانتباه حتى لو كان على حساب الأصالة أو الراحة واستغلال الجسد الحقيقي ولاحظت العلامات التجارية هذا التوق إلى الواقعية فبدأت تستخدم نماذج متنوعة في إعلاناتها ولكن ضمن إطار تجميلي محسوب محولة النضال من أجل القبول إلى أداة تسويقية أخرى.

ما زال جسد المرأة ساحة معركة لكن طبيعة هذه المعركة شهدت تحولاً جوهريًا فلم تعد المواجهة ببساطة بين تحرير وتقييد الجسد بل أصبحت بين فهمين متعارضين للتحرر ذاته تحرر حقيقي يستعيد للجسد كينونته المتكاملة كجزء لا يتجزأ من الذات الإنسانية، وتحرر زائف يختطف الخطاب التحرري ليحول الجسد إلى سلعة في سوق المعايير الجمالية والرغبات الاستهلاكية.

لقد ظهر شكل جديد من التشييء لا يلغي الهيمنة بل يختفي خلف قناع التمكين الفردي وهو ما يعكس قدرة النظام الرأسمالي الاستهلاكي على استيعاب خطاب النقد نفسه وتحويله إلى وقود لنموه وهذا يجعل التحدي الحالي أكثر تعقيداً فلم يعد الأمر متعلقاً فقط بامتلاك الجسد بل بإعادة تعريف معنى هذا الامتلاك ذاته وفك الارتباط الجذري بين التحرر الجسدي والنموذج الاستهلاكي السائد ، لذا يتطلب الخروج من هذا المأزق تطوير أخلاقيات جسدية جديدة تقوم على رفض الثنائيات الزائفة التقديس مقابل التدنيس والاعتراف بالجسد كجزء من الذات الإنسانية المتكاملة، وليس مشروعاً استهلاكياً دائماً للتعديل ومقاومة المنطق الذي يحول كل تعبير عن الذات خاصة في الفضاء الرقمي إلى منتج قائم على جذب الانتباه وتحقيق الربح، مع ضرورة إعادة تعريف مفاهيم الحرية والجمال والاهتمام بالذات خارج الأطر التجارية والمعيارية الضيقة، والسعي نحو تمثيلات تعترف بتنوع الأجساد وتاريخيتها وإنسانيتها.

في النهاية يبقى السؤال المركزي قائمًا، وهو كيف يمكن للمرأة أن تكون جسدها دون أن تُختزل إليه أو تُحول إلى سلعة؟ والإجابة لا تكمن في رفض التكنولوجيا أو الحنين إلى الماضي بل في النقد الدائم واليقظ للقوى التي تسعى لاختطاف جسد المرأة وحريتها حتى عندما تتحدث باسمهما، لذا لا ثبد من السعي نحو علاقة مع الجسد تقوم على القبول والتكامل والتحرر الحقيقي من جميع أشكال الهيمنة سواء كانت تقليدية صريحة أو حديثة معولمة.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

هارون الهواري
هذا هو قَدَرُ مصر.. "الكبير" في الأزمات والملمّات في المنطقة
مجلس النواب
تحرك برلماني بشأن منصات الدروس الخصوصية وغياب الرقابة عليها
الزمالك
تشكيل الزمالك لمواجهة أتوهو في الكونفدرالية
IMG-20260322-WA0014
"الـ 48 ساعة الأخيرة".. هل يستهدف ترامب البنية التحتية لإيران فعلًا؟

أقرأ أيضًا

عبد الغني الحايس
عناوين الصحف ودعوة للتفاؤل
47c211bd-acf9-49bc-bdf2-0d9ee03719f5
ضربات قاصمة واغتيالات.. هل خسرت إيران الحرب؟
IMG_2881
رنا التونسي تكتب: أمهات ينظرن إلى العالم
الكاتبة هبة عبد العليم
الكاتبة هبة عبد العليم: تحكي عن أمها التي اشترت لها أول كتاب