بدا المشهد الانتخابي في مصر طوال الأسبوع الماضي مرتبكًا وغير مفهوم.
استبدال مرشحين بآخرين وانسحاب مرشح بعد التقدم بالأوراق رسميًا لصالح آخر، وغياب رئيس مجلس النواب الحالي عن المنافسة رغم الإعلان عن إجرائه للكشف الطبي استعدادًا لخوض الانتخابات، كلها ملاحظات لافتة وغير مفهومة وتعبر عن ارتباك ظاهر.
لكن الأزمة الأكبر والأهم تبقى في قرارات الاستبعاد “غير المسببة” لعدد من المرشحين وهو ما آثار الجدل حول أربعة أسماء: محمد أبو الديار وهيثم الحريري وأسامة شرشر ومحمد عبد الحليم.
اثنان من المستبعدين ينتمون لحزب سياسي واحد هو حزب التحالف الشعبي الاشتراكي ذي الخلفية اليسارية وهما: الحريري وعبد الحليم، فضلًا عن اثنين من المستقلين هما: شرشر وأبو الديار.
المستبعدون اتفقوا على الطعن على قرارت استبعادهم أمام القضاء الإداري، وهو حقهم القانوني لا ينازعهم فيه أحد، لكن الزاوية الأخرى من المشهد، أي الجانب السياسي في الأمر يبقى مهمًا بلا شك.
الملاحظة الأولى أن غياب الأسماء المعارضة أو المستقلة عن المشهد الانتخابي يقضي على التنافس وأهميته القصوى للمجتمع، ويبقي على الجمود السياسي الحالي، ويحرم البلد نفسه من وجود تعدد في الأصوات والرؤى والبرامج التي هي واجب على كل من يمارس العمل العام وحق للمجتمع وتقدمه.
غياب الأسماء التي تم استبعادها يخصم من جدية الانتخابات ومن اقتناع الناس بجدواها، ومن أهمية المشاركة أصلًا خوفًا من أن يحمل القادم شعار: لا أحد ينافس.
كل من يظن أن الاستبعاد يخلق استقرارًا يعيش وهمًا كبيرًا، فقد جربت مصر في مراحل تاريخية سابقة انتخابات تفتقد للنزاهة والجدية، انتخابات بلا مرشحين ولا ناخبين، ودفع البلد أغلى الأثمان من حقه في مجلس نيابي به ممثلون عن الشعب، يشرعون من القوانين ما ينحاز إليهم، ويمارسون رقابة جادة على السلطة التنفيذية تحمي المجتمع من كل صور الفساد والانحراف أو إساءة استغلال السلطة.
دخول المرشحين المعارضين والمستقلين إلى البرلمان لن يصنع عاصفة ضد السلطة، ولن يهدد استقرارها في شيء، فغيابهم عن تمثيل الناس والتعبير عن همومهم هو ما يفتح أبواب العواصف ويهدد الاستقرار، هكذا قال التاريخ القريب.
الانتخابات هي المرآة الطبيعية لعلاقة الدولة بالمجتمع وأهله، كلما زادت مساحات الحرية والتنوع شعر الناس بجدوى أصواتهم، وبقدرتهم على الفرز والاختيار بين رؤى متنوعة، وكلما تقلصت مساحة الحرية شعر المواطن العادي بعدم جدوى المشاركة وكأن هناك من يفرض عليه مشهدًا جاهزًا وليس على الناس إلا وضع توقيعها فقط دون أن يكون لهم تأثير فعلي.
الانتخابات ليست مجرد تصويت، بل ممارسة كاشفة لحالة الحريات والتنوع في البلد، وكلما منح الناس حقهم في الاختيار تحول المشهد من تجميل إلى فرز جاد وحقيقي تستحقه مصر.
أملي أن تعود الأسماء التي استبعدت إلى المنافسة الانتخابية من جديد، ورجائي أن يتاح للناس حقهم في الاختيار الحر بين مرشحين متعددين ومختلفين في الأفكار والتوجهات، واعتقادي أن هذا هو الأسلم للمجتمع، وهو الذي يحفظ استقراره بعيدًا عن شعار: لا أحد ينافس.