بينما تتجه الأنظار إلى سواحل الخليج العربي وخليج عمان، يلوح في الأفق سيناريو “الحصار الشامل” الذي تعتزم القيادة المركزية الأمريكية فرضه على الموانئ الإيرانية، قرار لا يبدو أنه مجرد خناق عسكري على طهران، بل هو فتيل قد يشعل أزمة طاقة عالمية تتخطى حدود المنطقة، لتضع الاقتصاد العالمي والداخل الأمريكي أمام اختبار هو الأصعب منذ عقود.
في هذا التقرير، تستعرض “القصة” عبر مصادرها الخاصة أبعاد هذا الحصار، ومن سيدفع الفاتورة النهائية لصراع الإرادات في الممرات المائية الحيوية.
زلزال النفط.. هل يكسر البرميل حاجز الـ 150 دولاراً؟
التداعيات الاقتصادية للحصار بدأت تظهر ملامحها قبل أن تكتمل فصوله، يرى أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، أن السوق العالمي سيفقد فوراً نحو 1.5 مليون برميل يومياً من الصادرات الإيرانية في حال تنفيذ الحصار، ما يعني خسارة طهران لـ 140 مليون دولار يومياً، لكن الكارثة الأكبر تكمن في “رد الفعل”.
ويضيف معطي لـ “القصة”: “الأسعار قفزت بالفعل إلى 100 دولار بمجرد الإعلان، لكننا أمام سيناريوهين؛ فإما أن يبقى الأمر في إطار التهديد فتستقر الأسعار بين 90 و110 دولاراً، أو يتحول إلى صدام فعلي وضرب للموانئ، وهنا سنشهد قفزة جنونية تتخطى 150 دولاراً للبرميل، ما يدخل العالم في دوامة مظلمة بقطاع الطاقة”.
وعن المتضرر الأكبر، يشير معطي إلى أن الاقتصادات الناشئة والمستوردة للنفط هي الضحية الأولى، بينما تعتمد واشنطن على كونها أكبر منتج عالمي، لكنها لن تسلم من “شبح التضخم” الذي سيحرق جيوب المواطن الأمريكي عبر أسعار البنزين.
“حرب ترامب”.. واشنطن في مواجهة العالم
سياسياً، يبدو الحصار وكأنه “تغريد منفرد” خارج السرب الدولي، يؤكد محمد حامد، مدير منتدى شرق المتوسط للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن هذه المواجهة لا تزال تُصنف كـ “حرب ترامب وأمريكا” وليست حرب العالم.
ويوضح حامد في تصريحاته لـ “القصة”: “أوروبا ترفض استمرار هذا التصعيد أو الحصار البحري، بينما تقف روسيا والصين كحائط صد في مجلس الأمن عبر “الفيتو” ضد أي حلول عسكرية لفتح مضيق هرمز”.
الحصار -حسب حامد- لا يخنق إيران وحدها، بل يمتد أثره ليشمل القارة الآسيوية بأكملها، خاصة الدول المطلة على بحر قزوين أذربيجان، تركمانستان، كازاخستان وصولاً إلى القوى الاقتصادية الكبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، التي تعاني من تقييد الحركة في المضيق.
موازين الخليج.. غضب من الاستبعاد وبحث عن “منصة” للتفاوض
في ظل هذه الأجواء المشحونة، تبدو مواقف دول الخليج متباينة لكنها تشترك في نقطة واحدة: “الغضب من الاستبعاد”، فبينما تلعب سلطنة عمان دور الوسيط التقليدي، تبرز رغبة خليجية مدعومة من الأردن للمشاركة في مفاوضات تسوية شاملة تضمن تعويضات عن الأضرار التي مست سيادتها.
ويشير محمد حامد إلى أن السبيل الوحيد للخروج من هذا النفق هو “التفاوض المباشر”، واصفاً باكستان بأنها “المنصة الوحيدة والأقدر حالياً على إنهاء الصراع”، خاصة مع وجود تسريبات روسية تبدي استعداداً لإنجاح مفاوضات إيرانية أمريكية بعيداً عن لغة البوارج.
مقامرة تشرين
تأتي هذه التحركات في توقيت حساس للرئيس ترامب، الذي يواجه انتخابات الكونجرس النصفية في نوفمبر المقبل وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يتحمل ترامب تبعات “مغامرة عسكرية” قد ترفع أسعار الوقود في الداخل الأمريكي وتؤلب الناخبين ضده؟
بين التهديدات العسكرية والحسابات الاقتصادية المعقدة، يبقى مضيق هرمز رهينة لصراع قد يتحول من “صدمة مؤقتة” إلى “كارثة عالمية” إذا ما تحولت لغة التهديد إلى ضربات فعلية على الأرض.