الحقيقة أننا جميعًا بشر، لدينا أحكام شخصية، وأسلوب خاص، وشخصيات، وأفكار، ومعتقدات، ومن الطبيعي أن يكون لكل منا موقف، لكن بعض المهن تأتي مصحوبة بحتمية أخلاقية واضحة: أن تُبقي آراءك الشخصية خارج إطار عملك، إن لم تكن قادرًا على مراجعتها أو تطويرها.
الإنسان الأكثر نضجًا واتساعًا هو من يستطيع احترام وتفهّم المواقف والآراء المختلفة بصدق، لكن الإنسان المتوسط، بطبيعته، قد لا يمتلك دائمًا هذه القدرة، وهنا تحديدًا تكمن خطورة بعض المهن، فحين يختار الإنسان — أو يُختار — لامتهان مهن مثل الطب، أو القضاء، أو العمل الشرطي، فإنه يُلزم نفسه، قبل غيره، بترك انطباعاته وأفكاره وأحكامه على “خلق الله” خارج باب مكان العمل.
وليس هذا فحسب. بل إن هذه المسؤولية تمتد أيضًا إلى الفضاء العام، بما فيه وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام. لأن صاحب المهنة، حين يتحدث علنًا، لا يخلع صفته المهنية، يظل الطبيب طبيبًا في نظر الجمهور والقانون، كما يظل القاضي قاضيًا، والضابط ضابطًا. الصفة المهنية لا تُعلَّق مؤقتًا عند تسجيل فيديو أو كتابة منشور.
في هذا السياق، تبرز أسئلة حاسمة حول حدود حرية الرأي حين تتقاطع مع أخلاقيات المهنة، خصوصًا في المجال الطبي.
أخلاقيات المهنة بين الرأي الشخصي والمسؤولية القانونية
لنفترض طبيبًا يعمل في ألمانيا — البلد الذي يتطلع كثيرون للعمل فيه ويشيدون بنظامه حين يخدم حقوقهم المهنية. هناك، كما توجد حقوق للأطباء، توجد أيضًا حقوق راسخة للمرضى.
إذا افترضنا أن هذا الطبيب يحمل آراء عنصرية ضد المحجبات، أو ذوي البشرة السمراء، أو المهاجرين — وهي آراء موجودة بالفعل في بعض قطاعات المجتمع المدني — فمن المنطقي أن نفترض إمكانية وجودها أيضًا بين بعض العاملين في المهن المختلفة، بما فيها الطب.
لكن الفارق الجوهري لا يكمن في وجود الرأي، بل في إظهاره. فإذا عبّر الطبيب علنًا عن تلك الآراء على وسائل التواصل أو في الإعلام، أو — وهو الأخطر — ترجمها إلى سلوك داخل مكان عمله، فإنه سيواجه مساءلة قانونية قد تتدرج بحسب الفعل من إجراءات تأديبية إلى عقوبات أشد.
هنا يتجلى مبدأ أساسي: حرية الرأي لا تعني حرية التمييز، ولا تعني حرية ممارسة الإقصاء تحت مظلة المهنة. الطبيب ليس ناشطًا سياسيًا في عيادته، ولا داعية أيديولوجيًا في غرفة الكشف.
هو مؤتمن على الجسد، على السر الطبي، وعلى كرامة المريض قبل أي شيء آخر.
أخلاقيات الطب ليست مسألة تفضيل شخصي، بل التزام قانوني ومهني يُحكم بضوابط واضحة، لأن الثقة في المنظومة الصحية تقوم أساسًا على حياد الطبيب واحترامه لجميع المرضى دون تمييز.
حرية الرأي “اتجاه واحد” وإشكالية الكيل بمكيالين
في المقابل، يبرز مشهد مختلف في مصر. فحرية الرأي — نظريًا — مكفولة للجميع، لكن عمليًا يبدو أنها تتحرك في اتجاه واحد.
إذا ظهر طبيب وأبدى رأيًا شخصيًا حول كيفية لباس المرأة، أو عملها، أو عدم عملها، فقد يُستقبل حديثه باعتباره “نصيحة” أو رأيًا محمودًا.
أما إذا ظهرت طبيبة — أو طبيب — وتحدثت عن قناعتها بشأن قضايا مثل المثلية الجنسية باعتبارها حرية شخصية، أو عبّرت عن رأي يتعلق بالعلاقات خارج إطار الزواج، أو أي مسألة اجتماعية لا توافق المزاج العام، فإنها قد لا تواجه فقط هجومًا مجتمعيًا حادًا، بل قد تتعرض لملاحقات قانونية تحت دعاوى “قيم المجتمع” أو غيرها من التهم الفضفاضة القابلة للتأويل.
هنا تتضح المفارقة: هل يمكن أن تُحكم أخلاقيات مهنة كالطب بهوى الجماعة؟ وهل يصبح الانضباط المهني انتقائيًا، يُطبّق حين يخالف الرأي الاتجاه السائد، ويُغضّ الطرف عنه حين ينسجم معه؟
إذا كانت بعض المهن قد تضررت سمعتها بسبب تسييسها أو فقدان حيادها، فهل يُترك الطب للمصير ذاته؟
السؤال ليس سياسيًا بقدر ما هو مهني وأخلاقي. لأن الطب، بخلاف غيره، يقوم على علاقة شديدة الحساسية: علاقة ثقة عميقة بين المريض والطبيب.
الثقة، جسد المرأة، ومسؤولية المواجهة ماذا تفعل النساء — تحديدًا — في هذا المناخ؟
كيف يمكن لامرأة أن تثق بطبيب قد يعلن، صراحة أو ضمنًا، أحكامًا مسبقة تمس نمط حياتها أو خياراتها الشخصية؟ كيف تؤمّنه على جسدها وأسرارها؟ كيف تشرح له تفاصيل دقيقة تمكّنه من التشخيص، بينما تشعر أنه قد يكون محكومًا برؤية أخلاقية مسبقة تجاهها؟
الطب ليس ساحة للتريند، ولا منصة لفرض الرؤى الشخصية، سلطة الطبيب ليست سلطة وعظ، ولا سلطة تقييم أخلاقي لحياة المرضى.
إنها سلطة علمية مشروطة بالمسؤولية، وأي استخدام لها خارج هذا الإطار يُعد إخلالًا جوهريًا بالمهنة.
من هنا، يصبح السؤال مفتوحًا لكل طبيب يحترم مهنته: هل يتحرك أولًا لمساءلة أي زميل أو زميلة يخلّ بهذا الالتزام، دون حسابات زمالة أو مجاملات؟
والسؤال مفتوح أيضًا لنقابة الأطباء: أين تقف من هذه الخطابات التي قد تنال من كرامة المرضى، خصوصًا النساء؟
وأخيرًا، السؤال موجّه لكل شخص يتمسك بحقه في علاج محترم يصون كرامته: الصمت ليس حيادًا. الإبلاغ للنقابة، والمساءلة العلنية كلما أمكن، خطوات أولى لوقف هذه الممارسات.
صحتنا ليست مجالًا لتصفية الحسابات الفكرية، ولا لتكريس أحكام أخلاقية مسبقة، سواء انسجمت مع هوى “الجماعة” أم خالفته.
المعيار الوحيد الذي يجب أن يحكم المهنة هو الاحترام، والمساواة، والالتزام بأخلاقيات الطب — لا شيء سواه.