قرارات سياسية وإجراءات تنفيذية وتعيينات حكومية تثير الكثير من الجدل، بعضه اعتراضات صريحة، وكثير منه حيرة حقيقية حول دوافعها ومعاييرها. وسائل التواصل الاجتماعي تموج بالحديث حول تعيين وزيرة الثقافة ووزيرة الإسكان في التشكيل الوزاري الجديد، وقد سبق أن أثار الجدل موضوع دكتوراة وزير التعليم في التشكيل السابق. ما يُثار حول هؤلاء المسؤولين ليس محض افتراءات، بل يتضمن وقائع تُتهم فيها بعض الشخصيات بتزوير شهادات أو مخالفات أخرى.
في حالتي الوزيرتين الجديدتين، تناولت الأخبار صدور حكم قضائي يتعلق بسرقة محتويات كتاب لوزيرة الثقافة، والتحقيق في مخالفات مالية تتعلق بوزيرة الإسكان.
ما يثير القلق أكثر ليس مجرد وجود اعتراض على مثل هذه الحالات، والتي تبدو فجة وصارخة، بقدر ما يثير الانتباه الصمت الذي يحيط بهذه القرارات، وكأن السؤال ذاته لم يعد جزءًا من المشهد السياسي.
هذه الظاهرة ليست جديدة في تاريخ الحكم المصري، لكنها اليوم اتخذت شكلًا منهجيًا، حيث أصبح الصمت ليس عارضًا، بل قاعدة ثابتة، والتجاهل لم يعد مؤقتًا، بل نمطًا متكررًا.الفارق بين الماضي والحاضر ليس في وجود الاعتراض أو نوعه، بل في الدرجة والشمولية.
في عهود سابقة، كان هناك حد أدنى من التواصل مع الرأي العام، بينما اليوم يبدو أن السياسة انسحبت من المجال العام، وأصبح التفسير عبئًا على السلطة، وليس أداة لإقناع الجمهور.
في عهد عبد الناصر، رغم دعاوى البعض بسلطويته المركزية، كانت السياسة ممارسة نشطة وخطابًا دائمًا. القرار لم يكن مجرد تنفيذ، بل كان يُبرَّر ويُشرح، حتى في القرارات الاستثنائية. الخطاب الأيديولوجي حول الاشتراكية والتحرر الوطني والعدالة الاجتماعية كان حاضرًا، وكان يعكس وعيًا بأن الشرعية تستمد جزءًا من التعبئة الجماهيرية، حتى لو لم تكن ديمقراطية بمعايير ليبرالية.
لم يكن السؤال مرحبًا به دائمًا، لكنه لم يكن يُتجاهل بالكامل، بل كان جزءًا من اللعبة السياسية التي تبنيها الدولة مع مجتمعها.
مع السادات تغيّر مضمون السياسة، لكن لم يختفِ التبرير. السلام، الانفتاح، والتغييرات الكبرى كانت تُقدَّم ضمن سردية تحاول شرح الخيارات وتبريرها. الاعتراض كان حاضرًا، أحيانًا مسموعًا، وأحيانًا يُقمع، لكنه لم يُعامل كضجيج بلا قيمة. خطاب السادات كان شخصيًا، لكنه يعكس إدراكًا بأن الجمهور يحتاج إلى تفسير، وأن الصورة العامة للسلطة والمشروع لها أهميتها.
شهد عهد مبارك برودًا تدريجيًا للخطاب السياسي. كانت هناك واجهات شكلية مثل البرلمان والصحافة والبيانات الرسمية، لكن الروح السياسية للخطاب بدأت تفقد معناها. التبرير لم يختفِ بالكامل، لكنه أصبح أكثر رسمية، وآليًا، وأقل ارتباطًا بالنقاش الفعلي مع المجتمع. ومع ذلك، ظل هناك حد أدنى من الإحساس بأن الصمت الكامل ليس خيارًا آمنًا.
بعد عام 2013 حدث التحول النوعي. لم يعد القرار محتاجًا حتى إلى هذا الغطاء الشكلي.
سلطة 3 يوليو لم تعد ترى في الرأي العام طرفًا يجب مخاطبته، ولا في الاعتراض عنصرًا يستحق الرد. المجتمع أصبح كتلة تُدار بالإجراءات، ومنطق الإدارة حل محل منطق السياسة. لم يعد التفسير جزءًا من الحكم، بل عبئًا عليه، ولم تعد السياسة ممارسة للإقناع، بل جهازًا لإدارة القرارات.
هذا الصمت لا ينبع من غرور أو مزاج حكّام، بل يعكس تصورًا متكاملًا لطبيعة الحكم نفسه.
حين لا يشعر النظام بأي حاجة للتفسير، فهذا يعني أنه لا يرى في الرأي العام فاعلًا سياسيًا، ولا عنصرًا قادرًا على التأثير في مسار القرار أو فرض مراجعته.
القرار يُبنى على القدرة على التنفيذ، لا على الاقتناع أو القبول، ويُقاس بالانضباط في تطبيقه أكثر من أي معيار آخر.
تتعدد الأسباب التي تجعل هذا الصمت متعمدًا:
أولها طبيعة الشرعية التي يستند إليها النظام. حين تكون الشرعية وظيفية أو أمنية، لا سياسية أو تمثيلية، يصبح السؤال الشعبي عبئًا زائدًا. في هذه الحالة، يرى النظام نفسه شرعيًا لأنه يحمي ويضبط ويمنع الانهيار، لا لأنه يقنع أو يشارك أو يشرح.
وهكذا، يصبح التبرير في نظر السلطة علامة ضعف، لا حقًا للناس.
ثانيًا، غياب الكلفة الواقعية على السلطة يجعل التفسير غير ضروري. طالما أن الاعتراض لا يتحول إلى ضغط فعلي، ولا يفرض تعديلًا على القرارات، لا حاجة للتواصل. التفسير في السياسة ليس فضيلة أخلاقية، بل استجابة لحسابات الربح والخسارة، وحين لا يترتب على الصمت ثمن، يصبح الصمت الخيار الأضمن.
ثالثًا، تغيّر نظرة السلطة إلى المجتمع ذاته يضاعف الانغلاق. لم يعد المجتمع شريكًا أو جمهورًا سياسيًا، بل أصبح كتلة بشرية تُدار بالإجراءات. ومنطق الإدارة حل محل منطق السياسة، والقرار يُنفَّذ دون نقاش أو تبرير.
رابعًا، هناك خوف مستمر من فتح سابقة. التفسير في قرار واحد قد يفتح تلقائيًا باب السؤال في قرارات أخرى، والأنظمة التي بنت استقرارها على احتكار القرار تخشى أن يتحول الشرح إلى اعتراف ضمني بحق المحاسبة. لذلك يُفضل الصمت حفاظًا على خط فاصل واضح بين السلطة والمجتمع.
خامسًا، تحكم هذا السلوك قناعة راسخة بأن الزمن يعمل لصالح السلطة لا ضدها. الضجيج يهدأ، والذاكرة قصيرة، والانشغال بالمعيشة يبتلع السياسة. في هذا الإطار، أصبح الصمت استراتيجية محسوبة، لا تقصيرًا أو ارتباكًا، وسلوكًا يتكرر بحذر ووعي كامل.
في هذا الإطار، لا يكون غياب التفسير مجرد خلل إداري، بل يعكس نهاية السياسة بمعناها الكلاسيكي.
السياسة هنا ليست مجرد تنفيذ القرار، بل هي النقاش حوله، وتبادل الحجج، وبناء القبول المجتمعي. حين تُدار الدولة بلا سياسة، تصبح القرارات صحيحة أو خاطئة فقط بمعيار التنفيذ، لا بمعيار الفاعلية.
يتحول المجتمع من فاعل محتمل إلى متلقٍ صامت، ليس لأنه بلا رأي، بل لأن الرأي لم يعد مؤثرًا في الحسابات. الدولة التي لا تشرح تفقد تدريجيًا قدرتها على الفهم المتبادل مع مجتمعها. الاستقرار القائم على الصمت قد يدوم، لكنه هش، بلا لغة مشتركة، وبلا أفق واضح.
مع مرور الوقت، يتحول السؤال إلى عبء، والاعتراض إلى ضجيج غير ذي صلة، والمشاركة إلى ترف بلا ضرورة. عندها، لا يغيب الناس عن السياسة فقط، بل تغيب السياسة عن الناس، وتتحول الدولة إلى جهاز يعمل وحده، بلا مرآة اجتماعية يرى بها نفسه.
هكذا لا تنتهي السياسة فجأة، بل تنسحب ببطء. ومع انسحابها يبدأ اختبار الزمن الحقيقي: هل يكفي أن تُدار الدولة، أم أن عليها، في لحظة ما، أن تُفهَم أيضًا؟