عبد الرحمن، طفل يبلغ من العمر 12 عامًا، من محافظة الفيوم، لم يخرج إلى الشارع بحثًا عن المغامرة أو المال، بل هرب هروبًا من واقع أسري قاسٍ بعد انفصال والده عن والدته، وجد نفسه مقيمًا مع جده.
عبد الرحمن كما قال لـ موقع “القصة”، لم يجد من يستمع إليه أو يعطف عليه، ومع تصاعد القسوة داخل البيت، اتخذ قراره بالهرب خرج الطفل من المنزل ولم يعد، وأصبح لا يريد العودة مره اخري، ولجأ إلى الشارع كملاذ أخير، ليقضي لياليه نائمًا في الشوارع دون حماية أو رعاية، في مشهد يعكس كيف يمكن للتفكك الأسري وسوء المعاملة أن يدفعا طفلًا في هذا العمر إلى مصير بالغ الخطورة.
الهروب من البيت
لم يعد وجود الأطفال في الشارع أو بعيدًا عن منازلهم مرتبطًا فقط بالفقر أو التشرد بالمعنى التقليدي، بل أصبح في كثير من الحالات نتيجة مباشرة لانهيار فكرة “البيت الآمن”، انفصال الأب والأم، الطلاق المتكرر، الطرد غير المعلن للأبناء، وسوء المعاملة داخل الأسرة.
أكدت الدكتورة مروة ماهر، أخصائي نفسي، في تصريح خاص لـ موقع “القصة”، أن هروب الأطفال من المنازل هو استجابة نفسية طبيعية لبيئة غير آمنة، موضحًا أن الطفل حين يفقد الإحساس بالاحتواء بعد الطلاق أو التفكك الأسري، يبدأ في البحث عن أي مساحة يشعر فيها بأنه مرئي ومسموع.
وأضافت: “العنف، القسوة، أو الإهمال العاطفي تترك لدى الطفل شعورًا دائمًا بالرفض، ومع الوقت يتحول البيت من مصدر أمان إلى مصدر خوف”.
وأشارت ماهر، إلى أن الطفل لا يمتلك أدوات المواجهة النفسية مثل البالغين، فيكون الهروب هو الحل الوحيد من وجهة نظره، محذرًا من أن استمرار تجاهل هذه الصرخات الصامتة قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية طويلة المدى وفقدان الثقة في الأسرة والمجتمع.
زوجة الأب وزوج الأم الحلقة الأضعف
تمثل معاملة زوجة الأب أو زوج الأم أحد الأسباب المتكررة لهروب الأطفال من منازلهم. سوء المعاملة، التمييز بين الأبناء، أو تحميل الطفل مسؤوليات تفوق سنه، كلها عوامل تدفعه للبحث عن ملاذ خارج البيت.
في غياب تدخل حاسم من الأب أو الأم، يشعر الطفل بأن البيت لم يعد مكانه، فيختار الشارع رغم مخاطره.
الأسرة حين تنكسر
قالت الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع، في تصريح خاص لـ موقع “القصة”، أن هروب الأطفال من منازلهم هو انعكاس مباشر لانهيار دور الأسرة، مشيرة إلى أن الطلاق والتفكك الأسري حين لا يُدارا بوعي، يتحولان إلى عامل طرد نفسي واجتماعي للأطفال. وتوضح أن كثيرًا من الأسر تنشغل بصراعات الكبار وتنسى أن الطفل هو الطرف الأضعف، فتتركه فريسة للإهمال أو القسوة أو الشعور الدائم بعدم القبول.
وأضافت خضر: “الطفل الذي لا يجد حضنًا آمنًا داخل بيته، سيبحث عنه خارجه، حتى لو كان هذا الخارج شارعًا قاسيًا”، محذرة من أن تجاهل هذه الظاهرة يهدد بإنتاج أجيال فاقدة للانتماء، ومشددة على أن حماية الطفل تبدأ من إعادة الاعتبار للأسرة كمساحة أمان قبل أي حلول لاحقة.
يقول أحمد كمال، محامي الأسرة في تصريح خاص لـ موقع “القصة”، إن ما يحدث مع الأطفال بعد الطلاق والانفصال لا يقل خطورة عن الجريمة الاجتماعية، موضحًا أن كثيرًا من الأسر تتعامل مع الطفل باعتباره عبئًا بعد الانفصال، لا إنسانًا له حقوق.
وأوضح كمال، أننا نرى أطفالًا يُطردون عمليًا من بيوتهم دون قرار رسمي، إما بالقسوة أو بالإهمال أو بتحميلهم ذنب فشل الكبار. الطفل لا يهرب لأنه متمرد، لكنه يهرب لأنه فقد الإحساس بالأمان داخل بيته”، مؤكدًا أن غياب المساءلة القانونية عن الإهمال وسوء المعاملة يدفع الأطفال إلى الشارع، مشددًا على أن حماية الطفل لا تبدأ بعد هروبه، بل تبدأ من داخل الأسرة قبل أن يُغلق الباب خلفه.