تواجه المباني التراثية في عدد من المدن المصرية موجة متصاعدة من الهدم والاعتداءات، وسط اتهامات بوجود ممارسات منظمة داخل سوق المقاولات تستهدف التخلص من هذه المباني لصالح إنشاء أبراج وعمارات خرسانية، وبين غياب الرقابة في فترات سابقة وتزايد إغراءات رأس المال، تدخلت الدولة خلال السنوات الأخيرة لوضع ضوابط أكثر صرامة، أبرزها إلزام الجهات المعنية بمراجعة لجان متخصصة قبل السماح بأي قرار هدم، بهدف حماية ما تبقى من هوية المدن وتراثها المعماري.
قال الدكتور إسلام عاصم، الخبير في التراث المعماري، إن مصر تنقسم وفقاً لمنظومتها القانونية إلى نوعين من المباني: “المباني الأثرية” الخاضعة لقانون الآثار، و”المباني التراثية” الخاضعة لقانون الحفاظ على التراث الصادر عام 2006، موضحاً أن التصنيفات ليست دقيقة تماماً لكنها تظل مرجعاً قانونياً يحكم التعامل مع هذه المباني.
غياب الرقابة زاد من الاعتداءات
وأوضح عاصم لـ ” القصة”: أن المباني التراثية، رغم أنها لا تخضع لقانون الآثار، إلا أنها لا تقل أهمية عن المباني الأثرية، معتبراً أن التراث المعماري يمثل “آثار المستقبل” التي ستعكس شكل العصر الحالي للأجيال القادمة.
وأشار إلى أن فترات الاضطراب وغياب الرقابة في السنوات الماضية أدت إلى تزايد الاعتداءات على المباني التراثية، خصوصاً تلك الواقعة في مواقع مميزة أو التي ترتبط بإيجارات قديمة أو عقارات توفي أصحابها، ما جعلها هدفاً لإغراءات رأس المال.
وأضاف “عاصم”: أن هدم هذه المباني سواء كانت فيلات أو عمارات ذات طراز معماري مميز أفسح المجال لعمارات خرسانية لا تعبر عن أي هوية، على حد وصفه. وكشف عاصم عن وجود ممارسات وصفها بـ”المافيا” داخل سوق المقاولات، قائلاً إن بعض المتلاعبين يتعمدون تخريب المباني التراثية من الداخل لإظهارها بوضع إنشائي غير آمن، بهدف إخراجها من ملفات التراث وإصدار قرارات بهدمها عبر مسارات قانونية ظاهرية.
تدخل رئاسي يشترط لجان متحصصة
وأكد “عاصم”: أن اللجان المختصة كثيراً ما تعجز عن رفض تلك القرارات لأنها تصدر في النهاية تحت مسؤولية إنشائية لا يمكن تجاهلها. وأضاف أن رئاسة الجمهورية تدخلت خلال السنوات الأخيرة ووجهت بعدم السماح بأي هدم إلا بعد مراجعة لجنة رئاسية خاصة، خصوصاً للمباني التي لا تعاني مشكلات إنشائية واضحة، لضمان معرفة أسباب الهدم والمسؤولين عنه، وما إذا كان التلف طبيعياً أم مفتعلاً.
وأشار إلى أن الإسكندرية فقدت جزءاً كبيراً من مبانيها التراثية خلال السنوات الماضية، حتى أصبحت المباني المتبقية “شاذة في محيطها، باستثناء مناطق مثل وسط البلد في القاهرة، التي ما تزال تحتفظ بقدر من تماسكها.
وقال عاصم إن الإهمال المعماري له أسباب متعددة، لكنه أشار إلى إمكانية الاستفادة من تجارب دول أخرى اعتمدت على سياسات تحفيزية ناجحة للحفاظ على التراث، ومن بين المقترحات التي ذكرها: إعفاء مالكي المباني التراثية من الضرائب العقارية، وتقديم تسهيلات للشركات التي تتخذ من مبنى تراثي مقراً لها، بما يخلق شعوراً بأن المبنى يمثل “قيمة يمكن استثمارها” وليس عبئاً.
وأكد ضرورة إعادة النظر في قانون التراث الصادر عام 2006، وكذا في التصنيفات المعتمدة للمباني، إلى جانب تبسيط الإجراءات البيروقراطية المرتبطة بالصيانة والترميم، مراعاة لكون معظم هذه المباني سكنية ويعيش سكانها فيها بشكل يومي.
تدهور المشهد البصري يرفع مستويات التوتر
وتحدث عاصم عن البعد النفسي والاجتماعي للحفاظ على هوية المدن، مشيراً إلى أن تدهور المشهد البصري للمدن وامتلاءها بالعمارات الخرسانية والزحام والقمامة ينعكس بشكل مباشر على سلوك المواطنين وارتفاع مستويات التوتر لديهم، بينما تمنح المناطق التاريخية إحساساً بالراحة والهدوء. وأشاد بتجربة تحويل شارع النبي دانيال في الإسكندرية إلى شارع للمشاة، مؤكداً أنها أحدثت فارقاً كبيراً لدى السكان والزائرين، كما شبهها بتجربة شارع المعز في القاهرة.
ودعا عاصم إلى توسيع نطاق هذه التجربة ولو لساعات محددة يومياً بما لا يسبب تكدساً مرورياً، لكنه يعزز ارتباط الناس بتراث مدينتهم ويساعدهم على إدراك قيمته.
وتابع بالتحذير من خطورة الهدم المتسارع، مؤكداً أن العالم أصبح “قرية صغيرة”، وأن كل عملية هدم توثق فوراً وتنتشر على منصات التواصل، مما يسيء إلى صورة الدولة ويغذي الشائعات والمعلومات المضللة.
وشدد على ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي، ودمج قيم الحفاظ على التراث في التعليم، لتنشئة جيل يدرك قيمة ما يمتلكه ولا يتعامل مع المباني التاريخية باعتبارها مجرد جدران، بل جزءاً من الهوية الثقافية التي يجب حمايتها.