بينما تنشغل شاشات العالم بمتابعة التراشق العسكري بين طهران وتل أبيب، و تترقب الملاحة الدولية مصير “مضيق هرمز” تحت وطأة التهديدات الإيرانية، تجري على الأرض عملية “هندسة جغرافية” هي الأخطر منذ عقود.
لم تعد الحرب في غزة أو جنوب لبنان مجرد ردود فعل عسكرية، بل باتت تُرسم كبداية لـ “التوسع الثالث” للدولة اليهودية، وسط مخاوف حقيقية من إعدام حلم الدولة الفلسطينية نهائياً ونسف اتفاقيات السلام التي صمدت لسنوات.
ما بعد غزة والضاحية.. هل اقتربت “الحدود الليطانية”؟
في قراءة تحليلية خاصة لموقع “القصة”، يرى المحلل السياسي الدكتور هاني الجمل أن المنطقة تشهد محاولة أمريكية-إسرائيلية لتغيير الحدود الجيوسياسية بشكل جذري، الأمر لم يعد يقتصر على التوسع في قطاع غزة أو قضم أجزاء من الضفة الغربية، بل امتد التغول ليصل إلى الضاحية الجنوبية للبنان.
ويشير الجمل إلى أن القرارات الإسرائيلية الأخيرة تسعى لفرض واقع جديد يتجاوز القرارات الأممية، وتحديداً القرار 1701، من خلال جعل “نهر الليطاني” هو الحد الفاصل، وهو ما يمثل قفزة صريحة على الاتفاقات الدولية. هذا التحرك جاء بضوء أخضر أمريكي تجلى في تعطيل مجلس الأمن الدولي عن أداء دوره الحقيقي في إدارة قطاع غزة، مما أعطى إسرائيل فرصة ذهبية لاستغلال الانشغال الدولي بالأزمة الإيرانية لتنفيذ أجندتها التوسعية.
استراتيجية “الصراع المستديم” وتهديد الأمن القومي العربي
يرى الجمل أن هذه التحركات تضع الشرق الأوسط في حالة من “الصراع المزمن”، حيث تسعى إسرائيل وأمريكا لخلق بؤر توتر مستمرة، هذا التمدد لم يتوقف عند الحدود الفلسطينية واللبنانية، بل وصل إلى استعراض القوى العسكرية في سوريا، مما بات يهدد مصالح دول إقليمية كبرى مثل تركيا.
وهنا نستدعي تحذيرات الرئيس السيسي، الذي وصف إسرائيل بأنها “الخطر الأول” في المنطقة، في إشارة واضحة لمحاولاتها القفز فوق الشرعية الدولية وفرض واقع جيوسياسي جديد بالإكراه، إن هذا التغول الإسرائيلي يضرب عرض الحائط بالأمن الاستراتيجي العربي، ويستهدف إنهاء حلم إقامة دولة فلسطينية على حدود 67، فضلاً عن “تهويد” المقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية، ما يستفز مشاعر الملايين في المنطقة.
القانون المقصلة.. سيناريوهات مفتوحة على الجحيم
وعن المستقبل، يؤكد الجمل أن السيناريوهات المقبلة “مفتوحة على كافة الاحتمالات” ولا تدعو للتفاؤل، خاصة بعد تشريع إسرائيل لما يعرف بـ “قانون المقصلة”، الذي يشرع عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين (الذين يقترب عددهم من 9400 أسير) دون محاكمات عادلة.
يحدث هذا في وقت يعاني فيه أهل غزة من شتات مستمر لثلاث سنوات، مع تعنت إسرائيلي كامل في إدخال المساعدات أو البدء بإعادة الإعمار، رغم التوافقات السابقة ومخرجات مؤتمر القاهرة. الأزمة انتقلت بكامل ثقلها إلى الداخل اللبناني أيضاً، حيث يواجه سكان 52 قرية في الجنوب تهديدات بالتهجير القسري، مما ينذر بانفجار اجتماعي وسياسي جديد في بلد يترنح أصلاً تحت وطأة الخلافات الداخلية.
اتفاقيات السلام على المحك
ويقول الجمل إن محاولات شرعنة هذا التغول لا تهدد فقط الحقوق الفلسطينية، بل تضع اتفاقيات السلام في مهب الريح، بدءاً من “كامب ديفيد” مع مصر، وصولاً إلى “الاتفاق الإبراهيمي” الذي انضمت إليه دول عربية بضغوط أمريكية.
مختتمًا حديثه بأنه بات لزاماً على دول المنطقة اليوم صياغة استراتيجية موحدة للتعامل مع هذا “التغول”، فما يحدث الآن ليس مجرد جولة عسكرية، بل هو إعادة صياغة لهوية المنطقة الجغرافية والسياسية على حساب حقوق الشعوب وسيادة الدول.
هل ترى أن المجتمع الدولي قادر على كبح جماح التوسع الإسرائيلي الجديد، أم أن “الجغرافيا” قد حُسمت بالفعل؟