من حسن حظي أنني التقيت داود عبد السيد أكثر من مرة.
في منزله بمصر الجديدة، أجريت معه أول حوار صحفي بعد انتشار شائعات عن اعتزاله للإخراج.
يومها اكتشفت أنه لم يكن معتزلًا بقدر ما كان منسيًّا عمدًا.
بعد الحوار بعام تقريبًا تشرفت بإدارة ندوة تكريمه في حزب الكرامة، حين فاز بجائزة النيل، مع الأديب الكبير إبراهيم عبد المجيد.
كان هادئًا كعادته.
خجولًا قليلًا.
ساخرًا بنعومة.
يعرف حجم ما صنعه لكن بتواضع الكبار.
ويدرك تأثيره في وعي أجيال كاملة لكن بلا غرور.
اليوم مات داود عبد السيد.
رحل بهدوء وبلا ضجة.
وعاش فنه يمشي بيننا.
في الشوارع وفي البيوت وفي الأسئلة والقلق.
وفي تلك المسافة المرتبكة بين الإنسان وما يريد أن يكون!
فنه وموهبته
لم يكن داود عبد السيد غزير الإنتاج.
لكنه كان شديد الاختيار.
كانت أعماله في كل مرة تمثل نقلة فنية.
زلزالًا في الوعي العام.
السينما في رؤيته تمثل سؤالًا لا إجابة.
هي رسائل القلق والتوتر والخوف من المستقبل.
لذلك صنع أفلامًا لا تشبه أحدًا.
تشبهه هو فقط.
الكيت كات وأرض الخوف والبحث عن سيد مرزوق ورسائل البحر كلها أفلام عن الإنسان.
حين يبحث عن إجابات لأسئلة صعبة.
وحين يكتشف أن الحياة أكبر من احتماله، وأصعب من تصوراته.
لم يكن المناخ العام رحيمًا بموهبة فذة اسمها داود عبد السيد.
فالرهان بات على السريع والمضمون.
أما سينما داود البديعة بكل ما فيها من تأمل وحب وتمرد وجنون فقد باتت ثقيلة على زمن لا يحتفي إلا بكل ما هو “خفيف”.
غاب سنوات طويلة عن السينما.
فقده الإبداع.
لأن السوق لم يعد يحتمل المواهب الصادقة.
الحرية عند داود

داود عبد السيد لم يكن سياسيًا بالمعنى المباشر للكلمة.
لكنه كان سياسيًا في عمق ما يقدمه من إبداع.
الآن أستطيع التأكيد أن كل أفلامه كانت عن الحرية.
عن معناها الحقيقي والجاد.
وعن ثمنها الصعب إذا اختارها الإنسان.
لم تكن فكرة الحرية عنده شعارًا.
بل كانت مسؤولية وارتباكًا.
ربما لذلك رأي البعض أن أفلامه صعبة ومرهقة.
داود نفسه اختار الحرية في حياته كما في فنه.
لم يتنازل ولم يدخل اللعبة بشروطها.
فدفع الثمن حصارًا وعزلة.
وصمتًا طويلًا.
مثل كل المؤمنين بالإنسان وحريته كان توقيعه حاضرًا في بيانات الدفاع عن سجناء الرأي.
وعن حرية الإبداع.
للحرية عاش داود.. ومن أجلها أبدع.
إيمانه بالإنسانية
ككل موهوب عظيم كان داود عبد السيد يرى الإنسان قبل الفكرة.
الضعف والارتباك والحب والغضب والرغبة.
كلها مفاهيم ترتبط بالإنسان.
قويًا كان أو ضعيفًا.
لم نر أبطاله على الشاشة خارقين.
لكنهم بشر.
أناس عاديون.
منكسرون أحيانًا.
وخائفون في أحيان أخرى.
يخطئون ككل البشر.
لكنه كان يحبهم، ويريدنا أن نحبهم.
فقط لأنهم يشبهوننا.
لم يعرض لنا ملائكة تمشي على الأرض.
بل أشخاص يحملون كل صفاتنا.
الخير والشر، الضعف والقوة، الرغبة والاستسلام.
قال لي ذات مرة إن السينما ليست لتجميل العالم،
بل لفهمه.
ومسامحته قليلًا.. وإدانته أحيانًا.

أرض الخوف
في جلسة خاصة سألت داود عن فيلمه البديع “أرض الخوف”.
قال إنها ليست رواية بوليسية.
ولا حكاية نفسية.
إنها- كما قال- حكاية جيله.
الجيل الذي صدمته هزيمة يونيو 1967.
فتاه بين ما كان يؤمن به وبين ما رآه.
الجيل الذي لم يدرك ماذا حدث في “أرض الخوف” وهل ما يعيشه كان حقيقة أم وهمًا؟
قال لي أيضًا عن فيلمه “الكيت كات” إن الراحل محمود عبد العزيز لم يكن متحمسًا في البداية.
لم يرَ الفيلم بجلاء إلا بعد أن بدأت الجوائز تأتي.
والناس ترى ما كان خفيًا!
كأنه كان يرى قبل الجميع، ويدفع الثمن قبل الجميع.
اليوم نودع داود عبد السيد.
لكن تبقى الأسئلة التي طرحها في إبداعه حية.
فأهم ما يتركه فنان بعد رحيله ألا يتركنا كما كنّا.