كنت في الثامنة حينما أخبرني أبي أن ذلك الزحام بشوارع القاهرة ما هو إلا محاولة أخيرة لتغيير نظام استنفد كل ما لديه لقمع شعب كامل، وأن استمراره سيكون هدمًا لمستقبلك ومستقبل جيل بأكمله.
كانت هذه الكلمات كافية لي لأبحث وراءها وأتساءل عما تخفيه، كنت طفلة لم أَعِ معنى الظلم حينها، ولكن كان وقع الكلمات على قلبي كافيًا لجعلي أرتعد من مستقبلي بهذا البلد.
أردت يومها أن تنتصر إرادة الشباب الذين أراهم يوميًا داخل ميدان التحرير يهتفون وينصبون الخيام، يبتسمون ويرددون الأغاني، أذكر جيدًا أن منير كان حاضرًا في كل ليالي الميدان.
لم أدرك في هذا الوقت كيف حمل الميدان العديد من الاتجاهات في قلب ميدان واحد لنصر إرادة واحدة، كنت أرى الكثير من المصريين فقط بعين طفلة لم تكن تعرف بعد معنى الاختلاف.
كنت أشعر أنني الأكثر حظًا بين أصدقائي، فذاكرتي استطاعت أن تحمل الكثير من ليالي الميدان، وبعد 15 عامًا من هذا اليوم وقراءة الكثير من كتب التاريخ أيقنت أنها كانت ثورة يناير فقط، وما قبلها لم يكن حقيقيًا يومًا، فكانت هذه ثورة شعب وجيل بأكمله سئم الظلم والغلاء.
لا زلت ممتنة لتلك الأيام ولم أحملها يومًا ثمن أي شيء مما نحياه الآن. من لم يعرف ثورة يناير لم يعرف معنى للحرية يومًا في هذا البلد.
في يناير حاوطتني صور الشهداء في كل الجرائد التي حرصنا على اقتنائها، بعين طفلة كنت أقدّر ما مروا به وكيف ضحوا بحياتهم من أجل هذا الوطن، من أجل مستقبلي اليوم ومستقبل كل أبناء هذا الجيل، تضحية ربما لم يدرك الكثيرون معناها، لكنني لا زلت أتذكرها، لا زلت أحفظ صورهم وأسماءهم، وكان رحيلهم لم يكن رحيلًا حقيقيًا بل حياة أطول بكثير مما عاشوه.
في ثورة يناير تعرفت على الصحافة وفهمتها، أردت بعد هذه الثورة بإصرار طفلة أن أكون صحافية شجاعة، تعهدت ألا أَضِل أو أُضِل في هذه المهنة.
تعلمت من أبي حينها أن بعض نسخ الجرائد لا يجب التخلص منها أبدًا، فهي أبقى من ألف دليل، وبقينا نحتفظ بالعديد من الجرائد طوال عام 2011 بأكمله منذ انطلاق الشرارة الأولى لثورة يناير، وكان هناك العديد من الصحف المستقلة التي حسمت موقفها بشجاعة، اختارت الشعب ولم تختَر اتجاه التيار. تلك الشجاعة والحرية التي كانت تعيشها الصحافة في ذلك الوقت كانتا كافيتين بالنسبة لي لأفضّل الصحافة، أو مهنة البحث عن المتاعب كما يقولون، على الطب والهندسة الأكثر رواجًا في مثل هذا العمر.
وبعد ما يقرب الـ 6 أشهر في هذه المهنة تأكدت أن هذه الطفلة كانت محقة في اختيارها هذا، وربما كانت ستكون أكثر شجاعة مما أنا عليه اليوم، وإن اختلفت ملامح المهنة إلا أنني كنت سعيدة الحظ بما يكفي لأعمل مع العديد من الرؤساء والزملاء الذين نجحوا في نقل روح يناير في كل ما نعمل على تقديمه في “القصة”، وهذا ما يجعلني أكثر إصرارًا ربما لأنال كل ما أستطيع من الصحافة الحرة والحية في جيل بات فيه مفهوم الصحافة مجهولًا لدى الكثيرين
علمتني يناير أن هذا الشعب يحمل بداخله الكثير من الحكايات، وبالرغم مما كان يعاني منه، لا زلت أذكر دموع أمي يوم التنحي، فكان الرئيس وإن طغى يحمل في قلوب المصريين شيئًا من الألفة، في اللحظة ذاتها سمعت أيضًا صوت الهتاف والفرحة من باقي أفراد العائلة احتفالًا وأملًا بعصر جديد لا يوجد فيه ظلم ولا حكرٌ للآراء.
كفتاة عشرينية من جيل زد عاشت الثورة وإن كان عمرها آنذاك أقل مما يقدر المرء أن يتذكره، أرى أنني أحمل ذاكرة ربما لم تسعفني في الكثير من اللحظات، لكنها نجحت في الاحتفاظ بذكريات ثورة يناير طوال 15 عامًا.
في تأكيدٍ يحيا معي كل يوم بأنني عاصرت ثورة مصرية لا مثيل لها، ربما هي الثورة الثانية بعد ثورة 19، فلن يقدر التاريخ على تزييف حقائقها أو محوها، وإن فعل فستظل حية في ذاكرتي.
ثورة علمت طفلة في الثامنة من عمرها معنى الحرية على أرض الواقع.
فمن ذاك الذي يملك حق إنكارها؟