مؤخرًا باتت أمريكا تفكر في خطط بديلة لشل حركة إيران والسيطرة عليها وكسب الصراع، وكانت إحدى هذه الخطط هي السيطرة على جزيرة خارك، حيث تم استهدافها بضربات جوية لإضعاف القدرات الإيرانية.
كما أعلنت القيادة الأمريكية عن استهداف 90 موقعًا عسكريًا في الجزيرة التي قد تعرضت قبل أيام لضربات جوية أمريكية، ويظهر السؤال هنا هل ستكون الجزيرة إحدى الخطط البديلة للفوز بالصراع؟
وفي هذا السياق قال السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، لـ “القصة” أن الحديث عن “الاتفاق الشامل” سابق لأوانه، والسيطرة على الجزيرة يأتي في إطار السيطرة الأمريكية على أسعار النفط على مستوى العالم، كما حدث في حالة فنزويلا في بداية العام الجاري.
علاقة خارك واختناق السوق الإيراني
وأردف: من ناحية أخرى السيطرة على “الجزيرة ” سيؤدي إلى اختناق في سوق الطاقة الإيرانية والعالمية، كما سيكون له تداعيات سلبية على العملة الإيرانية وعلى معدلات التضخم.
وأكمل: وسيكون الهدف الأمريكي هو محاولة كسر إرادة صمود النظام الإيراني، والضغط عليه بشتى الطرق للاستسلام للإملاءات الأمريكية.
فيما قال الدكتور علي عبد النبي، نائب رئيس هيئة المحطات النووية سابقًا، في هذا الشأن: جزيرة خارج، يبلغ طولها 8 كيلو مترات، وتقع على بعد حوالي 25 كم قبالة سواحل إيران على الخليج العربي، وهي مركز استراتيجي حيوي للبترول، ويشار إليها باسم “شريان الحياة النفطي” لإيران، وسيطرة أمريكا على جزيرة خارك يسبب مخاطرة بالغة، من الناحيتين الجيوسياسية والاقتصادية.
وأردف: جزيرة خارك تعتبر من أهم الأهداف الاقتصادية لإيران، ويستحوذ هذا الميناء على نحو 90% من صادرات بترول إيران الخام، وتبلغ طاقته الاستيعابية حوالي 7 ملايين برميل يوميًا، واستيلاء أمريكا علي جزيرة خارك، سوف يتسبب في حدوث شلل لاقتصاد إيران، وسوف يؤدي إلى الوقف الفوري لنحو 90% من صادرات البترول الخام الإيراني، مما يحرم إيران من مصدر دخلها الرئيسي والتمويل الأساسي للحرس الثوري.
أمريكا والاقتصاد الإيراني
وأكمل: وسوف تمتلك أمريكا “قبضة خانقة” على الاقتصاد الإيراني، مما يمنحها نفوذًا هائلًا في أي مفاوضات مستقبلية لتغيير سلوك النظام الإيراني أو إسقاطه، وفي المقابل سيكون مصدر رعب للأمريكان؛ لأن الاستيلاء علي جزيرة خارك، سوف يؤدي إلي حدوث زلزال في أسواق الطاقة العالمية.
واستكمل: لأن أسعار البترول سوف تقفز قفزة تاريخية “أسعار خام برنت”، قد تتجاوز 100 إلى 130 دولارا للبرميل، وذلك نتيجة توقف صادرات إيران البترولية، التي تقدر بنحو 1.5 إلى 1.7 مليون برميل يوميًا، كما ستواجه الصين، المشتري الرئيسي للبترول الإيراني، أزمة في أمن الطاقة، مما قد يؤدي إلى توترات جيوسياسية حادة بين أمريكا والصين، وهو ما تخشاه أمريكا.
وأردف: جزيرة خارج لا بديل لها في الأمد المنظور، وتوقفها يعني خروج إيران فعليًا من سوق البترول العالمية لسنوات، مع حدوث صدمة سعرية عالمية لا يلطفها إلا زيادة الإنتاج من دول الخليج وأمريكا؛ فتوقف شحن البترول من جزيرة خارك “التي تضخ نحو 90% من صادرات إيران” سيعيد تشكيل خارطة الطاقة العالمية، ويضع الاقتصاد الإيراني في مواجهة مباشرة مع خطر الانهيار.
وأكمل: وسوف يؤدي غياب البترول الإيراني “نحو 1.5 – 1.7 مليون برميل يوميًا” إلى تحولات جذرية، مثل انفجار أسعار البترول، مع توقعات بوصوله إلى130 دولارًا للبرميل، في حال استمرار التوقف، خاصة مع زيادة “تأمين المخاطر” بسبب التوترات في مضيق هرمز، وسوف تحدث أزمة طاقة في الصين، لأن الصين تستورد 90% من بترول إيران، ويعتبر هذا توقف “خارق” سيجبر الصين على البحث عن بدائل مكلفة من روسيا أو دول أفريقيا، مما قد يرفع تكاليف الإنتاج الصناعي العالمي.
الأسواق ونقص البترول
وقال: ولتعويض نقص البترول ستلجأ الأسواق إلى “الطاقة الفائضة” لدى دول أوبك “خاصة السعودية والإمارات”، كما سيزداد الاعتماد على البترول الصخري الأمريكي، ومع توقف الشحن من جزيرة خارك، وغالبًا ما يرتبط بتوترات في مضيق هرمز، مما يعني تعطل 20% من تجارة البترول العالمية المنقولة بحرًا، وسوف يحدث ارتفاعًا فلكيًا في تكاليف التأمين والشحن.
وأردف: أما بالنسبة للطرق البديلة لإيران، فإيران تحاول منذ سنوات تأمين بدائل لجزيرة خارج لتقليل ارتهانها للمضيق، لكن الواقع الميداني يظهر محدوديتها، مثال لذلك، محطة “جاسك” وهي تقع خارج مضيق هرمز على بحر عمان، مما يجعلها بعيدة عن الحصار المباشر للمضيق، تم تصميمها لتصدير مليون برميل يوميًا، لكنها تعمل حاليًا بطاقة محدودة جدًا، ولا تزال تفتقر للبنية التحتية الكاملة “خزانات، وأرصفة عملاقة”، وهناك خط أنابيب “جوره – جاسك”، الذي يمتد بطول 1000 كم لنقل خام البترول من خوزستان إلى جاسك، ورغم افتتاحه، إلا أن قدرته التشغيلية الفعلية لم تصل بعد للمستويات التي تسمح بنقل كامل إنتاج إيران من البترول.
وأكمل: كما أن هناك موانئ ثانوية، مثل بندر عباس، وهي تستخدم بشكل رئيسي للمشتقات البترولية والغاز، ولا تستطيع استيعاب ناقلات البترول الخام العملاقة التي ترسو في جزيرة خارج، وعملية التحول، من الناحية الفنية تحتاج من سنتين إلى 5 سنوات على الأقل لإتمام بناء محطة “جاسك” لتصبح بديلًا حقيقيًا وكاملًا للجزيرة من حيث سعة التخزين “التي تبلغ في خارج 30 مليون برميل” وقدرة التحميل السريع.
أما في حال الطوارئ، إذا توقفت الجزيرة اليوم، لا يمكن لإيران تحويل أكثر من 30% من صادراتها عبر محطة جاسك والطرق البرية.
وأردف: وسيتطلب ذلك أسابيع من التجهيزات اللوجستية الطارئة، مما يترك فجوة تصديرية ضخمة لا يمكن سدها على المدى القريب، كما أن إيران قادرة فنيًا على التسبب بـ “سكتة قلبية” لإمدادات الطاقة العالمية لأسابيع، لكن الثمن سيكون تدمير بنيتها العسكرية والسياسية بالكامل في رد فعل دولي تقوده أمريكا.
قدرة إيران العسكرية
وقال: وتحتفظ إيران بقدرة عسكرية وتكتيكية تجعل من تهديد “إغلاق مضيق هرمز” أو “ضرب منشآت الطاقة الإقليمية” خطرًا حقيقيًا ومباشرًا، خاصة في ظل التصعيد الحالي، فلا تحتاج إيران لإغلاق المضيق ميكانيكيا “بالسفن”، بل يمكنها جعله “منطقة محرمة” للملاحة عبر الألغام البحرية الذكية فهي تمتلك إيران مخزونًا ضخمًا من الألغام، مثل “صدف” و”قاع” التي يمكن نشرها بواسطة قوارب سريعة أو غواصات صغيرة “غدير”، مما يجعل عبور الناقلات انتحارًا.
وأردف: وتمتلك أسراب القوارب السريعة، التي تعتمد استراتيجية “البعوض” باستخدام مئات الزوارق المزودة بصواريخ موجهة وطوربيدات لإرباك السفن الحربية والناقلات الضخمة، بالإضافة إلي صواريخ “نور” و”قادر” البرية، التي تغطي هذه الصواريخ المضيق بالكامل من الساحل الإيراني، وهي صواريخ جوالة “كروز” مضادة للسفن يصعب اعتراضها في الممرات الضيقة.
وأكمل: وإذا فقدت إيران قدرتها على تصدير البترول، فإن استراتيجيتها المعلنة هي “لن يصدر أحد البترول من الخليج”، وذلك عبر، الطائرات المسيرة “كاميكاز”، حيث أثبتت هجمات “أرامكو” قدرة مسيرات “شاهد” على اختراق الدفاعات الجوية والضرب بدقة متناهية، ويمكن لإيران استهداف محطات التحلية، ومعامل تكرير البترول، ومنصات الغاز في الدول المجاورة، كما تمتلك إيران أكبر ترسانة صواريخ في الشرق الأوسط مثل “فاتح وخرمشهر”، القادرة على الوصول إلى أي منشأة بترول في الخليج أو حتى شرق المتوسط.
واختتم: ولا ننسى الهجمات السيبرانية، حيث يمكن للجيش السيبراني الإيراني استهداف أنظمة التحكم الرقمية لشركات البترول الكبرى، مما يؤدي إلى توقف الإنتاج دون إطلاق رصاصة واحدة.
ترامب والسيطرة على جزيرة خارج
كما تواصلنا مع الأستاذ أسامة حمدي، الباحث في الشأن الإيراني، وقال : ليس باستطاعت ترامب أن يسيطر على جزيرة خارك الإيرانية؛ لأنها تحاط بسلسلة جبلية أعلى منها وستكون مكشوفة لأي قوات ستسيطر عليها إذا استطاعت تنفيذ إنزال بر مائي على هذه الجزيرة.
وأردف: وذلك من قبل قوات الحرس الثوري والجيش الإيراني وبالتالي سوف تتعرض لنيران المدفعية الإيرانية، وستتلقي خسائر كبيرة، كما أن القوات الإيرانية ستخوض معركة كبيرة عليها، أي حرب استماتة كما ستبذل كل تضحياتها لمنع السيطرة عليها.
وأكمل: وأي أحاديث عن محاولة احتلال الجزيرة في ظل وجود أكثر من مليون مقاتل في إيران من الجيش الإيراني والحرس الثوري وقوات الباسيج هو محض حرب نفسية، وإدعائات؛ لأنه لا يمكن السيطرة على قطعة من الأراضي الإيرانية في ظل وجود قوات مسلحة وحرس ثوري يتجاوز عددهم مليون مقاتل.
تدمير البنية التحتية لجزيرة خارك
واستكمل :وكل ما يستطيع ترامب فعله هو تدمير البنية التحتية النفطية على الجزيرة، ومنع إيران من تصدير النفط عبر الجزيرة التي تستحوذ على 90% من مصادرات النفط الإيرانية، وبالتالي سترد إيران باستهداف البنية التحتية لدول الخليج وتعطيل صادرات النفط، وحرق آبار البترول، استهداف محطات تحلية المياه، وكذلك محطات الكهرباء، ولن يستطيع السيطرة عليها وبالتالي إذا أراد تدميرها سيدمرها، وتذهب إيران إلى الرد بالمثل وتقوم بتدمير آبار الخليج التي تشترك فيها الولايات المتحدة بنسبة أسهم.
وأردف: إذا تم تدمير البنية التحتية في الجزيرة وتوقف صادرات النفط، سيصاب الاقتصاد الإيراني بالشلل وحينها لن تستطيع إيران تصدير النفط، وبالتالي ستتعرض لأزمة اقتصادية حادة تنعكس على المواطن الذي سيغضب على حكومته، ولكن لا أعتقد أن ترامب سيذهب لذلك؛ لأن ذلك سيعني حرق آبار البترول في دول الخليج.
واختتم: واستبعد أي محاولة عسكرية للسيطرة على الجزيرة، وكل ما سيفعله إذا أراد الذهاب لذلك هو تدمير الجزيرة، وتدمير البنية التحتية النفطية للجزيرة، وإيران لديها سيناريو الرد على آبار البترول في الخليج وغيرها من الأماكن.