بينما يتجه العالم لحماية الأسواق المحلية، جاء قرار وزارة التجارة الأمريكية بفرض رسوم تعويضية على واردات حديد التسليح المصرية بنسبة تقارب 29.5%. والذي سيبدأ تطبيقه رسميًا بدءًا من شهر يناير الحالي، ليفتح الكثير من الأسئلة حول تأثير هذا القرار على الاقتصاد المصري والسوق المحلي.
ارتفاع أسعار الحديد المصري في أمريكا
بموجب هذا القرار فإن الحديد المصري سيرتفع سعره في السوق الأمريكي مما يقلل من قدرته على التنافس ،خاصة في ظل تراجع الطلب العالمي على الحديد وعدم استقرار أسعار مدخلات الإنتاج.
وقد يؤدي هذا القرار إلى عودة جزء كبير من الكميات المخصصة للتصدير للسوق المحلي. مما يطرح تساؤلا هاما: هل ارتفاع سعر المعروض ويؤدي إلى استقرار الأسعار داخل مصر، أم العكس؟
ولا يقف الأمر عند قطاع الحديد فقط، حيث أي تحرك في أسعاره يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على قطاع المقاولات والبناء وبالتالي على أسعار الوحدات السكنية والتى تهم شريحة كبيرة من المواطنين.
وبين استمرار المشروعات القومية وتراجع القدرة الشرائية، يظل المشهد أكثر تعقيدا.
ويبقى السؤال الأهم : هل سيشكل هذا القرار عبء جديد على السوق أم فرصة لإعادة ترتيب المشهد الصناعي والعقاري في مصر؟
تراجع الطلب عالميًا وتوقعات بانخفاض أسعاره 15%
وقال الدكتور وائل النحاس، المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، إن الرسوم التعويضية التي فرضتها الولايات المتحدة على واردات حديد التسليح المصري لا تعني تقديم دعم أو تعويض للمستوردين، وإنما تعد إجراء يهدف إلى حماية المنتج المحلي من ممارسات الإغراق. وأوضح النحاس أن مصطلح الرسوم التعويضية يساء فهمه أحيانا، مؤكدا أنها عبارة عن رسوم إضافية تفرض على الحديد المستورد لرفع تكلفته ومنع دخوله بأسعار أقل من المنتج المحلي، خاصة في ظل تراجع الطلب العالمي وانخفاض أسعار بعض مدخلات الإنتاج، وعلى رأسها الخردة، خلال الفترة الماضية.
وأشار إلى أن السوق المحلي كان قد شهد انخفاضا في أسعار حديد التسليح نتيجة ضعف الطلب، إلا أن تطبيق السياسات الحمائية مؤخرا أدى إلى عودة الأسعار للارتفاع مرة أخرى، لافتا إلى أن بعض التجار لجأوا خلال الأشهر الماضية إلى بيع الحديد بأسعار منخفضة لتوفير السيولة اللازمة وسداد الالتزامات المالية، في ظل حالة الركود التي يعاني منها القطاع.
وأوضح النحاس أن فرض الرسوم سيضعف القدرة التنافسية للحديد المصري، خاصة مع توقعات بانخفاض أسعار الحديد عالميا بنحو 15% خلال العام الجاري، ما يقلل من فرص المنافسة في ظل الأعباء الإضافية المفروضة على الصادرات.
وعن تأثير القرار على البورصة المصرية، أكد أن السوق تتحرك حاليا بدوافع مضاربية ولا تتأثر بشكل مباشر بمثل هذه القرارات، مشيرا إلى أن أداء أسهم شركات الحديد ومواد البناء سيتحدد بشكل أساسي وفق نتائج الأعمال خلال الفترة المقبلة، في ظل تراجع الطلب المحلي وتعرض بعض الشركات لخسائر دفعتها إلى خفض الأسعار.
وأضاف أن قطاع الحديد في مصر يواجه ضغوطا متزايدة على مستوى تكلفة الإنتاج، نتيجة تراكم فواتير الكهرباء والغاز، إلى جانب الارتفاع الأخير في أسعار الغاز عالميا بنسبة تجاوزت 50%، ما قد يدفع الدولة إلى إعادة النظر في تسعير الطاقة الموردة للمصانع، وهو ما سينعكس على تكاليف الإنتاج خلال الفترة المقبلة.
وأكد النحاس أن أسعار الحديد عالميا مرشحة للتراجع، في حين قد تشهد الأسعار محليا ارتفاعا خلال عام 2026 نتيجة زيادة تكاليف الطاقة، رغم استمرار ضعف الطلب.
وحول تأثير ذلك على أسعار الوحدات السكنية، استبعد دكتور وائل النحاس حدوث انعكاس مباشر في الوقت الحالي، موضحا أن المعروض من الوحدات السكنية لا يزال كبيرا، وأن معظم المشروعات الجاري تسليمها تم تسعيرها والتعاقد عليها خلال السنوات الماضية، إضافة إلى اتجاه عدد من شركات التطوير العقاري الكبرى إلى الاستثمار خارج السوق المحلي، ما يقلل من حدة التأثير على أسعار العقارات في المرحلة الراهنة.
فيما أكد الدكتور علي الإدريسي، أستاذ الاقتصاد والاستثمار، إن فرض الرسوم التعويضية على صادرات حديد التسليح المصري يقلل من تنافسية المنتج المصري في الأسواق الخارجية، ما يفرض ضغوطا على حصيلة النقد الأجنبي وأرباح الشركات المصدرة، إلا أنه في المقابل قد يؤدي إلى زيادة المعروض داخل السوق المحلي، بما يساهم نسبيا في تخفيف الضغوط السعرية.
توقعات بفائض نسبي وتراجع هوامش الأرباح
وأوضح الإدريسي أن السوق المصري يمتلك قدرة على استيعاب جزء من الكميات التي كانت موجهة للتصدير، لا سيما في ظل استمرار تنفيذ المشروعات القومية، إلا أن الاستيعاب الكامل يظل أمرا صعبا، وهو ما قد يخلق فائضا نسبيا يضغط على الأسعار أو يقلص هوامش الربح لدى الشركات المنتجة.
وأشار إلى أن أي تراجع أو استقرار في أسعار حديد التسليح قد يساهم في خفض تكلفة البناء، لكنه شدد على أن هذا التأثير لا ينعكس بشكل فوري على أسعار الوحدات السكنية، نظرا لتأثر سوق العقارات بعوامل أخرى أكثر تعقيدا، من بينها أسعار الأراضي، وتكلفة التمويل، وهوامش الربح الخاصة بالمطورين العقاريين.
و أوضح الإدريسي أن القرار قد يحمل أثرا إيجابيا نسبيا، من خلال استقرار أو انخفاض تكلفة مدخلات الإنتاج، خاصة في المشروعات القومية، بينما يظل تأثيره على المشروعات الخاصة محدودا بسبب الضغوط التمويلية والتسعيرية التي تواجهها.
انعكاسات محدودة والبحث عن أسواق بديلة
وأضاف أن لجوء الشركات إلى رفع الأسعار محليا لتعويض خسائر التصدير سيصطدم بتراجع القدرة الشرائية وشدة المنافسة داخل السوق، ما يدفع معظم الشركات إلى تبني سياسة الحفاظ على مستويات سعرية مستقرة نسبيا بدلا من تحميل المستهلك المحلي أعباء إضافية.
وأكد الإدريسي أن التأثير المباشر لهذه التطورات على المواطن يظل محدودا على المدى القصير، محذرا من أن المخاطر الحقيقية قد تظهر على المدى الطويل في حال تراجع الاستثمارات أو انخفاض مستويات الإنتاج، وهو ما قد يعيد الضغوط السعرية إلى السوق مرة أخرى.
وشدد دكتور على الادريسي على أهمية دور الحكومة في الحد من الآثار السلبية للقرار، من خلال العمل على فتح أسواق تصديرية بديلة، وتقديم حوافز تتعلق بالطاقة أو النقل، وتعزيز المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، إلى جانب تسريع تنفيذ مشروعات الإسكان بما يساعد على امتصاص أي فائض محتمل والحفاظ على استقرار الأسعار.