أثار قرار البنك المركزي المصري برفع الفائدة على مبادرات التمويل العقاري لمحدودي ومتوسطي الدخل من 3% إلى 8% متناقصة، ومن 8% إلى 12% متناقصة، بدءًا من 15 أكتوبر 2025، جدلاً واسعًا في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية.
القرار الذي جاء تحت شعار “التصحيح المالي وضبط الدعم العقاري” اعتبره البعض خطوة ضرورية لإنقاذ المنظومة التمويلية، بينما رآه آخرون ضربة موجعة للحلم السكني للطبقة المتوسطة التي وجدت نفسها فجأة أمام أقساط مضاعفة.
فمن كان يحلم بشقة بمليون جنيه على 20 سنة ويدفع نحو 1.6 مليون جنيه إجمالًا، سيجد نفسه اليوم مطالبًا بسداد ما يتجاوز 2.6 مليون جنيه، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية بفعل موجات التضخم المتتالية.
وفي محاولة لقراءة أبعاد القرار الجديد بين الضرورة الاقتصادية والتأثير الاجتماعي، تحدث موقع “القصة” إلى عدد من الخبراء الاقتصاديين والمختصين في ملف الإسكان والتمويل العقاري.
تصحيح مالي ضروري
يؤكد الدكتور محمد راشد، عضو مجلس إدارة غرفة الاستثمار والتطوير العقاري الأفرو–آسيوية، وعضو الأمانة المركزية للإسكان والتنمية العمرانية بحزب الجبهة الوطنية، أن رفع الفائدة على مبادرتي التمويل العقاري يمثل إعادة ضبط لآليات الدعم العقاري وفقاً للواقع المالي والاقتصادي الراهن، لكنه في الوقت ذاته يتطلب تحركاً موازياً لحماية المستفيدين من الفئات المتوسطة ومحدودة الدخل من الزيادة المفاجئة في تكلفة التمويل.
وأوضح راشد أن القرار رفع العائد على التمويل العقاري من 3% إلى 8% متناقص للفئة الأدنى، ومن 8% إلى 12% متناقص للفئة المتوسطة، وهي زيادات كبيرة تمثل في المتوسط ارتفاعًا بنحو 40–50% في عبء القسط الشهري مقارنة بالوضع السابق.
وأضاف أن القسط الشهري لوحدة بقيمة مليون جنيه على 20 سنة سيرتفع من نحو 5.5 آلاف جنيه إلى أكثر من 8.3 آلاف جنيه للفئة الأولى، ومن 8.3 آلاف إلى 11 ألف جنيه للفئة الثانية، ما يعني تراجع القدرة الشرائية لشرائح واسعة مؤقتاً لحين تكيّف السوق مع الوضع الجديد.
وأشار إلى أن القرار جاء في إطار سياسة تستهدف استدامة المبادرات التمويلية وتقليل العبء المالي على الخزانة العامة، خاصة مع ارتفاع عائد أذون الخزانة إلى نحو 21.8% وبلوغ التضخم السنوي 27.1% بنهاية سبتمبر 2025، وهو ما جعل التمويل بفائدة 3% “غير منطقي اقتصاديًا”.
وقال راشد، إن البنوك واجهت فجوة تمويلية طويلة الأجل بسبب الفارق الكبير بين تكلفة السيولة وسعر الإقراض ضمن المبادرات، ما دفع المركزي لإعادة تقييم الهيكل سعريًا للحفاظ على توازن المنظومة دون توقف المبادرة.
وأضاف أن السوق سيشهد تباطؤًا مؤقتًا في الطلب، خصوصًا في المدن الجديدة والمشروعات المعتمدة على التمويل المصرفي مثل “حدائق العاصمة” و“أكتوبر الجديدة”، موضحًا أن نحو 60% من مشتريات متوسطي الدخل خلال السنوات الثلاث الأخيرة تمت عبر المبادرات المدعومة.
ودعا راشد، إلى تطبيق حزمة من الإجراءات التكميلية لضمان نجاح القرار دون آثار اجتماعية حادة، أبرزها: تحويل الدعم من الفائدة إلى دعم نقدي مباشر للأقساط الشهرية للفئات الأدنى، ومد فترات السداد إلى 25 عامًا لتقليل عبء القسط، والعمل على إنشاء صندوق ضمان تمويلي لتغطية مخاطر التعثر، وتقديم حوافز ضريبية للمطورين الملتزمين بالإسكان المتوسط والميسر، بالإضافة إلى تفعيل قاعدة بيانات ذكية لتوجيه الدعم للمستحقين بدقة.
واختتم قائلاً: “القرار يحمل منطقًا اقتصاديًا سليمًا على المدى الطويل، لكنه بحاجة إلى حماية اجتماعية ذكية تضمن ألا يتحول الإصلاح المالي إلى عبء معيشي على المواطن، التوازن بين كفاءة التمويل وعدالة السكن هو جوهر أي سياسة إسكانية ناجحة”.
القرار غير مبرر ويعكس غياب الرؤية الاجتماعية
أما الخبيرة الاقتصادية منى عزت، فترى أن الوضع الحالي لا يبرر بأي شكل من الأشكال رفع الفائدة، قائلة: “الوضع مش مبرر بالنسبة لما نشوف الوضع المالي للأسر المعنية، يعني احنا كمان دخلين دلوقتي على موجة غلاء جديدة، فاحنا الزيادة دي هتشكل تحدي جديد أمام الأسر محدودة ومتوسطة الدخل لأن من الأساس النسب دي قبل الزيادة كانت مش ميسرة لكل الناس، يعني قبل الزيادة كانت أصلًا مش مناسبة لمحدودي ومتوسطي الدخل”.
وأضافت عزت، أن ارتفاع الأسعار المستمر خلال السنوات الأخيرة جعل الأسر عاجزة عن الادخار أو توفير فائض يمكن من خلاله شراء سكن عبر التمويل العقاري:”الناس بقالها عدة سنوات فيه ارتفاع رهيب في الأسعار في جميع السلع الغذائية والنقل والخدمات، ومع أن الدخول زادت نسبيًا، إلا أن التضخم التهم هذه الزيادات، فبقت الأسر ما عندهاش مدخرات أو فائض يخليها تقدر تدخل في التمويل العقاري”.
وأوضحت، أن الزيادة الجديدة في الفائدة — التي وصلت من 3 إلى 8% ومن 8 إلى 12% — تعد قفزة ضخمة وغير منطقية قائلة: “دي زيادة كبيرة جدًا، تقترب إنها تكون نسب مضاعفة، خصوصًا من ثلاثة لثمانية، وده هيشكل عائق كبير أمام الطبقة الفقيرة والطبقة الوسطى للاستفادة من التمويل العقاري، خصوصًا مع الغلاء الكبير في أسعار السكن واتجاه أصحاب البيوت لزيادة الإيجارات واتخاذ إجراءات طرد ضد المستأجرين”.
وتابعت: “ده هيسبب أزمة كبيرة جدًا للشرائح الفقيرة والمتوسطة، وربما كمان لشرائح متوسطة أعلى، لأن أسعار الشقق تضاعفت بشكل جنوني، الشقة اللي كانت من 3 أو 4 سنين بـ500 ألف، دلوقتي تعدت 2 مليون وفيه مبالغة شديدة في الإيجارات الجديدة، العقود بقت قصيرة جدًا وسنوية، وصاحب الشقة بقى عنده حرية يزود المبلغ كل سنة، فالسكن نفسه بقى مهدد”.
وأضافت عزت، أن الأوضاع المعيشية المتدهورة تلتهم دخول الأسر، قائلة: “الموجة الجديدة من الغلاء هتخلي الفقراء والطبقة الوسطى دخولهم كلها تروح في السلع والخدمات، ومبقاش عندهم فرص للادخار أو دفع أقساط شقق، القرار ده مش قاري الوضع الاجتماعي والاقتصادي اللي الناس فيه، ومالوش أي بعد اجتماعي”.
واستطردت مؤكدة أن مسؤولية الأزمة تقع على عاتق الدولة وسياساتها الاقتصادية: “القرارات الاقتصادية مسؤولة عنها الدولة، وهي اللي لازم تحسن أوضاع الاقتصاد وتضبط الأسواق، سواء سوق العقارات أو السلع أو الخدمات. الدولة هي المسؤولة عن إنها تخلق فرص عمل وتحسين دخل المواطن. إحنا مش لازم نسأل ليه زودوا الفايدة، إحنا لازم نقول إن القرار خاطئ ومرتبط بسياسات اقتصادية غير مناسبة”.
وختمت الخبيرة الاقتصادية حديثها برسالة تحذير واضحة:”إحنا محتاجين سياسات اقتصادية تبص على التصدير والتجارة والزراعة والصناعة، وتشوف إزاي نحسن أوضاع الدولة ونزود الدخل ونوفر خدمات بأسعار مناسبة، استمرار الوضع الحالي ليه تبعات اجتماعية خطيرة، وممكن يولد موجات غضب وأوضاع غير مستقرة في المجتمع، وده لازم الدولة تنتبه له”.
القرار سيزيد من الركود العقاري
ومن جانبه، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس، أن القرار “سيزود من عمق حالة الركود” في السوق العقاري، موضحًا أن الأسر التي أبرمت عقود التمويل القديمة لن تتأثر، لكن الأزمة الحقيقية ستكون في المقبلين الجدد على الشراء.
وقال النحاس، إن رفع الفائدة بهذا الشكل يعني أن القدرة الشرائية للمواطن ستتراجع أكثر، ما يؤدي إلى تفاقم حالة الركود في سوق العقارات الذي يعاني أصلًا من تباطؤ شديد.
وأضاف: “الدولة فضلت إنها تمشي في اتجاه عكسي رغم الظروف الحالية، فبدل ما تشجع على الاستثمار العقاري وتحفّز حركة السوق، القرار ده هيزود من عمرية الركود أكثر وأكثر”.
معادلة تحتاج توازنًا
ما بين منطق الاقتصاد وحسابات المعيشة، يقف المواطن المصري في منتصف المعادلة الصعبة القرار الأخير قد يكون خطوة ضرورية لضبط منظومة التمويل العقاري وحماية البنوك من العجز، لكنه في الوقت ذاته يهدد بتآكل القدرة الشرائية وتراجع الحلم السكني ما لم تُفعل سياسات حماية اجتماعية سريعة وفعالة.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، تبقى المعادلة الحقيقية كما لخصها د. راشد في كلماته الأخيرة: “التوازن بين كفاءة التمويل وعدالة السكن هو جوهر أي سياسة إسكانية ناجحة”.