أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

رمضان.. في سجون لوس أنجي – لوس

أيام قليلة ويهل علينا شهر رمضان المبارك، محمّلًا بالرحمة والمغفرة وبوعود السماء المفتوحة لكل من يرفع أكفّه بالدعاء إلى الله. فشهر رمضان الذي يدخل علينا من الباب الكبير، ونستقبله بتعليق الزينات في الشوارع والحارات حتى تكاد تكسوها، في مشهد يملأ أرواحنا بالبهجة لقدومه؛ يحتفي به الأطفال بالفوانيس والبُمب والصواريخ، في الوقت الذي تمتلئ فيه البيوت بأصوات التواشيح والأغاني الرمضانية ابتهاجًا بقدومه. وما بين “مرحب شهر الصوم مرحب” و”رمضان جانا” و”هاتوا الفوانيس” تتشكل أجواء رمضانية تبعث الفرح في القلوب، بينما تتزين المساجد التي تكتظ بالمصلين في صلاة التراويح، وتتلون الشاشات بمسلسلات أُنتجت خصيصًا لهذا الموسم الرمضاني، الذي ساهم عبر سنوات طويلة في رفع أسهم بعض صُنّاع الدراما، وصناعة أسماء الكثير منهم. وفيما تزدحم البيوت بضحكات العائلة حول مائدة الإفطار وما تضمّه مما لذّ وطاب، ينسل شهر رمضان إلى الزنازين بهدوء يكسر القلب من “نظارة” باب الزنزانة خلف جدران صمّاء لا تعرف الفرق بين ليل ونهار.

و”النظارة” مجرد فتحة صغيرة مساحتها لا تتجاوز بضعة سنتيمترات، صُممت خصيصًا لتتيح للسجّان رؤية ما بداخل الزنزانة دون الحاجة إلى فتح بابها.

وداخل الزنازين لا يُعلن عن قدوم الشهر الكريم مصحوبًا بأصوات عبد المطلب ومحمد فوزي، بل برعشة في قلوب الرجال حين يدركون أن “مقعدهم” على مائدة الإفطار لا يزال فارغًا، يملؤهم الأمل في العودة إليه مع دخول الشهر الكريم، ولو بعفو رئاسي يصيبهم. وسرعان ما يتبدد هذا الأمل مع توالي أيام الشهر. وإن كنا قد تربينا صغارًا على أن أهم الدروس التي نتعلمها من رمضان هي الصبر، فقد أدركنا في كبرنا أن بداخل تلك الزنازين من هم أجدر بأن يعلّمونا إياه. وإن كان الصبر واجبًا، فالحرية التي يطوقون إليها فريضة. ليطل علينا سؤال ملحّ: هل يقبل صيام وطن كامل، فيما الآلاف من أبنائه ما زالوا محبوسين منذ سنوات بلا ذنب اقترفوه؟

أخبار ذات صلة

حزب المحافظين
حزب المحافظين يبحث عن رئيس جديد.. وهؤلاء أبرز من ترشحوا
الهواتف الذكية
من جيوب المواطنين تحمي الحكومة صناعة لم تكتمل.. لصالح مَنْ نلغي إعفاء المحمول من الجمارك؟
images - 2026-02-12T220115
الجيش الإسرائيلي يعلن الانتهاء من وضع خطط مهاجمة إيران

واستقبال شهر رمضان في المعتقل ليس هيّنًا؛ فتلك اللحظات الصعبة تبدأ بمحاولات مضنية للاستماع إلى وقائع استطلاع دار الإفتاء هلال الشهر المعظّم، من خلال راديو أحادي الموجة تم شراؤه من أحد الجنائيين بأضعاف سعره، مرورًا بمحاولة بائسة لكسر حالة الحزن التي تسيطر على الجميع، يقوم بها أحد المتحذلقين بثقل دمٍ معهود، من خلال غنائه “رمضان في السجن حاجة تانية” بصوت مشكوك في مصدره بعد أن حرّف كلماتها متطوعًا، ليتسبب في النهاية، عن دون قصد، في تضاعف حالة الحزن وصولًا إلى اكتئاب يسيطر على السجين الذي يُغمض عينيه المغرورقتين بالدموع، ليغادر بجسده النحيل قضبان الزنزانة عابرًا المسافات والموانع، ويجلس لثوانٍ معدودة بجانب زوجته على مائدة الإفطار، ماسحًا على رأس طفله الذي كبر عامًا آخر وهو لم يره بعد.

والسجن الحقيقي لا يكمن في خصوصية الشهر الكريم فحسب؛ فالمعتقل قد اعتاد صيام الروح قبل صيامه عن الماء والطعام، بل في ذلك الأنين المكتوم حين يرتفع أذان مغرب اليوم الأول، فيردده السجناء بآهات تخترق الصمت، وبدمعة “هاربة” يحاول إخفاءها جدٌّ وقور أثناء توزيعه حبات التمر على رفاق زنزانته، وكأنه يوزع عليهم قطعًا من الصبر. عندها يختلط اتساع الأيادي المرفوعة بالدعاء بحوائط الزنازين الضيقة، لينقضي يوم طويل من الصيام، تتبعه صلاة التراويح التي تكون بمثابة الملاذ الأخير للجميع، حيث تتساوى الصفوف وتلتصق الأكتاف، وتعرج القلوب إلى السماء، تسأل من شقّ البحر لموسى أن يشقّ جدران هذا المكان المعتم، ليعودوا إلى منازلهم لقضاء رمضان وشوال وباقي أشهر العام بين ذويهم، فيأكلوا من خبز “الحرية” الذي طال انتظاره.

وبعيدًا عما يدور داخل الزنازين، فهناك حروب أخرى تدور رحاها على بوابات السجن. فإن كنت تعتقد أن طابور العيش هو أصعب ما رأيت، فأغلب الظن أنك لم ترَ شيئًا قط؛ فطابور زيارة رمضان أشد صعوبة ومهانة، بل يستغرق وقتًا أطول بأضعاف مضاعفة من مدة الزيارة نفسها، ولا ريب إن اعتُبر دربًا من دروب الجهاد. ناهيك عن معضلة المنع والسماح لنوعية الطعام المسموح بدخوله، حيث إن رفاهية الجدل المتجدد سنويًا مع دخول الشهر الكريم حول الاسم الصحيح “للسَمبوسك”، وكذا حول الأصح في إفطار أول أيام رمضان: هل يُقدَّم البط أم الرومي؟ وهل يجوز تقديم الدجاج مع المحشي؟ كل ذلك يغيب، إذ تُعامَل أصابع المحشي في السجون معاملة أصابع الديناميت والمواد شديدة الانفجار، لا لكونها ملفوفة في الكرنب – والعياذ بالله – ولكن لسبب آخر لا يعلمه إلا الله وإدارة السجن وبعض المخبرين المقربين من السيد رئيس المباحث.

ولعل أكثر المشاهد سريالية قد يراها إنسان في حياته مشهد تفتيش المحشي؛ حيث يقف المخبر مُشهرًا مطواته ليخترق أصابع المحشي واحدة تلو الأخرى، فتتحول بقدرة قادر إلى أكلة مجهولة النسب، وكأن دخولها سليمة قد يدفع المعتقل إلى الاستعانة بها في الهرب عبر تفجير بوابات السجن من الداخل. ولا أزال أتذكر ذلك الموقف الذي حدث عقب العودة إلى الزنزانة بعد إحدى الزيارات، حين تملكني الغيظ من هول ما رأيت، لما حدث في الطعام من جريمة مكتملة الأركان نتيجة هذا التفتيش العبثي، الذي دفعني إلى سؤال “مسير” العنبر: لماذا لا يدخل الطعام في كامل هيئته؟

و”المسير” هو سجين جنائي في الأغلب، تقوم المباحث بتوظيفه لتيسير التواصل بين إدارة السجن والمسجونين. فأجاب ببرود، وقد ارتسمت على وجهه علامات الامتعاض وغلف العبوس ملامحه:

“إنت فاكر نفسك في لوس أنجي – لوس؟”

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

صراع السيادة على الممرات.. هل تحول البحر الأحمر إلى ساحة حرب عالمية مصغرة؟
images - 2026-02-12T215656
استسلام جماعي.. أكثر من 100 مقاتل يسلمون أنفسهم للجيش السوداني بـ الأُبيض
المجالس المحلية
بعد تصريحات "مدبولي".. هل تعود المجالس المحلية الغائبة منذ 18 عامًا؟
محمد حماد
حين تُدار الدولة بلا سياسة

أقرأ أيضًا

IMG_9247
ترامب ونتنياهو.. والشرق الأوسط الجديد
IMG_9301
رمضان.. في سجون لوس أنجي – لوس
عصام سلامة
سياسة “قطع اليد” الأمريكية تواجه “الحائط الصلب” في طهران
منال لاشين
نص القصة.. تغيير على الضيق