في زمن الإنهاك العربي، وفي لحظة مؤلمة يكاد فيها لبنان يفقد ثقته بذاته، جاءت زيارة البابا ليو الرابع عشر لتفتح نافذة صغيرة على الأمل، وتعطي دفعة معنوية لهذا الشعب الذي تحاصره المشاكل من كل جانب. لكن الأمل وحده لا يصنع واقعاً، ولا يوقف حرباً، ولا يرمّم دولةً يتهددها الانهيار من كل جانب.
لبنان، الذي وصفه البابا بأنه سيعود “جميلاً وقوياً كالأرز”، يعيش اليوم على وقع انهيار اقتصادي، وجرح بيروت المفتوح، وخوف دائم من حربٍ جديدة بين إسرائيل وحزب الله يهدد بها نتنياهو يومياً!
وبينما يرفع البابا شعار “الهبة الإلهية للسلام”، يطرح المشهد سؤالاً قاسياً:
هل تكفي رسائل السلام؟.. وكيف يمكن أن يتحقق بينما تنتهك إسرائيل يومياً أبسط مبادئ السلام بقصفٍ متكرر واعتداءات لا تتوقف؟
هذا السؤال ليس لبنانياً فقط، بل مصرياً، عربياً، بل وإنسانياً أيضاً.
ربما كانت رسالة الوداع التي قالها البابا تعبر عما يجب أن يحدث، حينما قال: لِتَتَوَقَّف الهجمات والأعمال العدائية. ولا يظِنَّ أحد بعد الآن أنّ القتال المسلّحَ يَجلِبُ أَيَّةَ فائِدَة. فالأسلحة تقتل، أمّا التفاوض والوساطة والحوارُ فتَبني. لِنَختَر جميعًا السّلامَ وليَكُن السّلامُ طريقنا، لا هدفًا فقط!”
لكن، هل تصل تلك للرسالة إلى من يملكون مفاتيح العدوان؟
زيارة تحمل رمزية كبرى.. لكن هل تكفي الرمزية؟
مشاهد آلاف اللبنانيين تحت المطر لاستقبال البابا وهم يرفعون شعار “طوبى لصانعي السلام” كانت مؤثرة كمن يتشبث بآخر خيطٍ من الرجاء، الناس في لبنان يريدون سماع كلمة تحميهم من اليأس.
لكن زيارة بابوية، مهما كانت عظيمة، لا تستطيع وحدها تغيير معادلات تفرضها طائرات حربية وصواريخ موجّهة وقوة احتلال تضرب في أي مكان وتحت أي ذريع. فلبنان الذي استقبل البابا بحفاوة، هو نفسه لبنان الذي يعيش على حافة انفجار جديد.
وسط كل تلك الضغوطات، قال البابا واحدة من أكثر الجمل وقعاً على اللبنانيين:
“سيزهر وطنكم من جديد، جميلاً وقوياً كأرز لبنان.”
لكن هل يُسمح لهذا الوطن أن يزدهر أصلاً؟
فالمشكلة ليست فقط في اللبنانيين، بل في واقع إقليمي تُستباح فيه الحدود والقرارات والسيادات، ويُترك فيه بلدٌ ضعيف كلبنان مكشوفاً لتصعيدات يومية قد تشعل المنطقة بأكملها.
لبنان كنموذج للتعايش.. السلام ليس شعاراً، بل مسؤولية!
الزيارة شددت على أن لبنان نموذج للتعايش الإسلامي–المسيحي. هذا صحيح تاريخياً، وصحيح أكثر حين نرى رجال الدين تجتمع في ذلك اللقاء التاريخي، بطاركة الكنائس المسيحية إلى جانب مفتي الجمهورية ورجال الدين السنة والشيعة والدروز. من الطوائف كافة يزرعون شجرة زيتون رمزاً للسلام.
البابا دعا القادة اللبنانيين بكلمات واضحة وجريئة:
“ضعوا خلافاتكم جانباً، واحكموا بالعدل، وابنوا وطناً يليق بكرامة مواطنيه”
لكن ماذا يفيد غرس شجرة سلام في ساحة واحدة، بينما تُقتلع أشجار السلام بأكملها على حدود الجنوب؟
كيف نحمي رسالة التعايش، بينما الرسائل التي تصل من الجو هي غارات وتفجيرات وانتهاكات؟
إن العالم كله يعرف اليوم أن لبنان لا يتقرر مصيره داخل بيروت وحدها، بل في تل أبيب وواشنطن وطهران أيضاً.
ولذلك، فإن الجهد الروحي، مهما كان نقياً، يحتاج إلى حماية سياسية دولية تعترف بأن حياة اللبناني ليست ورقة تفاوض.
المسيحيون في لبنان.. صمود تاريخي ورسالة أكبر من حدود الوطن
الكنيسة ترى في مسيحيي لبنان حجر زاوية للوجود المسيحي في الشرق، حيث يشكّل المسيحيون حوالي ثلث سكان لبنان، وهو ما يجعل هذه البلاد موطناً لأكبر تجمع مسيحي باقٍ في الشرق الأوسط – بالنسبة لعدد سكان البلاد-. هذا الواقع يمنح الزيارة بعداً استراتيجياً للفاتيكان، الذي يرى في صمود المسيحيين ضمانةً لحماية التنوع الديني في المنطقة برمّتها.
البابا دعاهم بوضوح:
“ابقوا في أرضكم… وكونوا جسراً للسلام”.
لكن السؤال العادل هو: من يحمي هذا الجسر إذا انهارت الدولة؟ ومن يضمن مستقبل الطوائف كافة في ظل ما يشهده هذا البلد الذي لازال ينزف دماً؟ من يضمن لهم الأرض إن ظلت ساحة لحروب الآخرين؟ ومن يضمن لهم المستقبل إن بقيت الدولة مُعطلة، والسياسة مخطوفة، والاقتصاد منهاراً؟
إن بقاء المسيحيين ليس مسؤولية الكنيسة وحدها، بل مسؤولية عربية ودولية.
وإن الحفاظ على التنوع اللبناني ليس خدمة لطائفة، بل حماية لروح الشرق بأكملها.
وجع بيروت.. ووجع المنطقة
صلاة البابا في موقع انفجار المرفأ تُعدّ لحظة بالغة الرمزية. إنها اعتراف دولي بأن ما حدث في بيروت ليس حادثاً عابراً، بل مأساة قضائية وسياسية وإنسانية لا تزال بلا عدالة. وأنه ليس ملفاً منسياً، بل جرحاً مفتوحاً يُضاف إلى سلسلة طويلة من الخيبات.
لكن اللبنانيين يعرفون جيداً: الألم لا يتوقف عند المرفأ.
الألم مستمر في الجنوب، حيث العدوان اليومي.
ومستمر في غزة، حيث تتراكم المآسي.
ومستمر في المنطقة كلها، حيث تختنق فرص السلام قبل أن تولد.
أن مأساة المرفأ، مهما بلغت فداحتها، ليست الجرح الوحيد.
فاللبناني اليوم يعيش بين قصف الجنوب، وضبابية السياسة، وانهيار العملة، وغياب العدالة.
ولذلك يُطرح السؤال الذي يتجنبه العالم:
كيف يمكن للبابا، أو لأي صوت آخر، أن يُرسّخ السلام بينما ترفض إسرائيل فوراً أي مسار حقيقي للسلام، وتواصل القصف والقتل والتهجير في لبنان وفلسطين؟ على الرغم من هذا، وخلال رحلته إلى لبنان، شدد البابا على أن حل الدولتين هو الحل الوحيد للقضية الفلسطينية، في موقف يعيد تأكيد موقف الفاتيكان التاريخي.
وتزامن هذا التصريح مع واحد من أكثر الأعوام دموية في الأراضي الفلسطينية، ما يضع كلامه في سياق سياسي وإنساني أكبر من حدود لبنان.
سلامٌ يحتاج إلى أكثر من النوايا الطيبة
الزيارة تحمل رسالة نبيلة: أن السلام ممكن، وأن لبنان قادر على النهوض.
لكن السلام ليس صلاة فقط، ولا أمنية، ولا تصريحاً دبلوماسياً. الصلاة، مهما كانت صادقة، تحتاج إلى ترجمة سياسية على الأرض. فالسلام يحتاج إلى إرادة دولية تُلزم المعتدي بالردع، والخارج على القانون بالمحاسبة، والضعيف بالحماية.
فأي سلام يمكن أن يولد في زمن تُقصف فيه القرى كل ليلة؟
وأي رجاء يبقى إن ظلّت سيادة الدول مباحة للانتهاك؟
وأي معنى لرسالة “لبنان هو رسالة” بينما الرسالة تُكتب بالنار؟
الأمل باقٍ… لكنّه أمل مُطالب لا أمل مُستسلم
يبقى أن زيارة البابا أعادت للبنان شيئاً من صورته أمام نفسه والعالم.
أعادت إليه القدرة على الحلم، ولو لدقائق، حتى لو كان الواقع قاسياً.
لكن بقاء لبنان “جميلاً وقوياً كأرز لبنان” ليس مسؤولية اللبنانيين وحدهم، ولا مسؤولية الفاتيكان، بل مسؤولية عالمٍ يُفترض أنه لا يقبل بالعدوان كأمرٍ واقع.
فهذا البلد الجميل لبنان ـ ومعه المنطقة كلها ـ يحتاج إلى ما هو أكبر من زيارة رمزية:
يحتاج إلى عدالة، إلى ردع، إلى وقفٍ حقيقي للعدوان، وإلى قرار دولي يعيد تعريف معنى السلام في الشرق الأوسط.
وحتى ذلك الحين، يبقى السؤال مفتوحاً في وجه العالم:
هل يمكن لسلامٍ أن يولد في أرضٍ يقصفها من يدّعي أنه يريد السلام؟