مع تزايد عدد القنوات الفضائية بشكل واضح، ازدادت بالتبعية المساحات المخصصة للبرامج التي لا تلتزم غالبيتها العظمى بسياسة تحريرية واضحة ولا استراتيجية مفهومة في عملية اختيار ضيوفها. وخلال الأيام القليلة الماضية استضاف برنامج ما يقدمه مذيع ما على قناة ما نائبًا أسبقًا ما، اشتهر بركوب “الترند” من خلال تبنيه لبعض الآراء وإلقائه لبعض التصريحات المثيرة للجدل.
وعلى الرغم من أن تصريحاته التي قالها منذ ما يقارب عقدًا من الزمان لا يكاد يتذكرها أحد، كان من غير المستساغ استضافته الآن، ومن ثم إعادة ترديد تصريحاته السابقة في تلك المقابلة التلفزيونية التي لم تكن أبدًا على البال ولا الخاطر، بل تمت تلك المقابلة بدون أي مبرر يُذكر.
تلك التصريحات التي لا أرغب حقيقة في إعادة ذكرها لما تتسم به من سطحية وتفاهة تدعونا كثيرًا للتدبر والتفكر، فكم خلق الله أنواعًا من البشر يفتقرون لأبجديات العمل السياسي، إلا أن للصدف والمال والمحسوبيات رأيًا آخر، فقد قادتهم إلى جني ثمار ممارسته على الرغم من هذا كله في غفلة من الزمن. وهذا النوع تحديدًا لا يحتاج إلى تسريبات أو مناظرات أو صحافة حرة لإسقاطه وتعريته أمام الجماهير، فقط ضعه أمام الكاميرات حتى ولو كانت كاميرات هواتف محمولة، وأعطه الميكروفون الذي سيكون كفيلاً بكشف مدى الجهل والسطحية واللامنطقية التي تكوّن شخصيته، فحينما يتكلم ويسهب في حديثه تتساقط أوراق التوت التي يتستر من ورائها تباعًا.
فكم من سياسي بدت على وجهه الحكمة والرزانة ما دام صامتًا، حتى إذا ما تحدث أحرقته أضواء الكاميرات، وما إن تُسلَّط عليه ويأخذ فرصته في الحديث حتى تراه كما لو كان يتمتم بتعويذة ما، فيستهل حديثه بتلك الجملة الواثقة: “خليني أكون واضح وصريح معاك”، وعندها تعلم علم اليقين بأن الوضوح في خطر، وأن الصراحة ليس لها مكان سوى في أغنية المطربة مروة من فيلم “حاحا وتفاحة”.
وعند إسهابه في الحديث لن تجده يتحدث في موضوع واحد، بل في كل شيء دفعة واحدة، فهو الخبير الاقتصادي الذي يعالج مشكلة التضخم أفضل من أطباء جراحة تضخم البروستاتا، وهو الخبير القانوني الذي يجيد ضبط أوتاره، ثم يختتم حديثه بتحليل عسكري يؤكد فيه أن الحرب الحديثة تُحسم بعدد الرؤوس “المنوية” التي تمتلكها الدول. وهذه الحالة ليست فردية، فهناك العديد والعديد منهم، وربما لو كان الفيلسوف اليوناني سقراط بيننا الآن لتراجع عن توجيه مقولته الشهيرة إلى أي منهم “تكلم حتى أراك”، واستبدلها بمقولة أكثر حدة كأن يقول: “اخرس، وقفت المياه في زورك”.
وبالعودة إلى صلب الموضوع، فإن أكثر ما كان مثيرًا للدهشة هو استضافة هذا النائب الأسبق بتصريحاته التي بدت كالأكلة البايتة، في حين أن هناك بعضًا من النواب الحاليين يقومون بإطلاق تصريحات مثيرة وأفكار أكثر إثارة وبمستويات أعلى من هذا، فكان من الأولى استضافتهم وإعطاؤهم المساحة لعرض تصريحاتهم “الطازجة”.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، تلك التصريحات التي لم تغب عن الذاكرة بعد لسيادة النائبة التي تجسدت فيها روح الفنانة لطيفة وهي تغني رائعة عبد الوهاب محمد “يا أبيض يا أسود”، حينما وصفت السياسة بأنها أن تحكم أو تُسجن، وكأننا أمام نائبة بمجلس نواب الغابات الاستوائية. أو كتلك المرشحة التي وصفت حزبها بأنه “دولتي” إصلاحي، وكأنها تصف فرقة مسرحية أسستها الراحلة دولت أبيض.
ومن هنا نتقدم برجاء لـ المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، بطلب اعتماد “سد الحنك” كوجبة رئيسية في البرلمان، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وغلق صنبور التصريحات غير المنضبطة والباحثة عن تصدر الترند وركوب الموجة، فإن كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب.