ليست المعارك المصيرية ساحة مفتوحة للجميع فثمة اصطفاء إلهي يختص به الشرفاء وحدهم وفي حكمة القدر الإلهي تظل مواقف الشرف محرمة على كل طاغٍ وظالم فالأقدار لا تمنح أدوار البطولة لمن لا يستحقها، لكن سماء غزة لا تنادي إلا أصحاب الندبات والجراح أولئك الذين يرفضون أن تكون أوطانهم ساحة لمرور الجياع والغزاة إنها معادلة الوجود التي تسقط فيها كل الحجارة كي نبني من ركامها أوطاناً تخلو من الأصنام والأوثان.
لم يعد التطبيع مجرد سفارة ترفع علم العدو أو علاقات دبلوماسية ظاهرية لقد تجاوز التطبيع الصور المباشرة ليصبح كائناً متعدد الأوجه يتسلل في صمت إلى شرايين الأمة إنه التطبيع الناعم الذي ينزلق إلى اقتصاداتنا وأسواقنا فيتحكم في قراراتنا وسيادتنا ولو نسبياً إنه ذلك النوع من الغزو الذي لا يحتاج إلى دبابات ولا طائرات بل يكفيه أن يزرع فينا قبول الهزيمة من خلال تحكمه في مقدراتنا اليومية.
أخطر ما في التطبيع أنه لا يكتفي باختراق حدودنا الجغرافية والاقتصادية بل يتعداها إلى فرض سياج حول إرادتنا ويمنعنا من معاداة العدو ومقاومته بكل الوسائل محولاً الأمة من فاعل في معادلة الصراع إلى مجرد متلق للقرارات وهذا هو جوهر الهزيمة الحقيقية عندما تفقد الأمة حقها في الرفض وحقها في المقاومة وحقها في تحديد عدوها ومواجهته.
لكن يظل التطبيع هو عدم الرفض بالشكل المطلوب لوجود كيان إحلالي وجميع ممارساته هذا هو القبول الضمني بشرعية ما هو غير شرعي والتطبيع مع واقع يناقض جوهر وجودنا وهويتنا وفي هذا السياق يصبح الرفض ليس مجرد موقف سياسي بل خياراً وجوديًا يحفظ للأمة كرامتها وهويتها ومقومات بقائها.
فكما أن سماء غزة لا تنادي إلا من يستحق فإن معركة الوجود لا يخوضها إلا من يرفض أن يكون تابع في مركبة الآخرين ولا يقبل أن يكون مجرد رقم في معادلة الهيمنة إنها المعركة التي تُختزل في جوهرها إما أن نكون أو لا نكون.