مر عام على سقوط النظام السوري، وبين احتفالات الناس في الشوارع وبين تنفسهم الصعداء بزوال القمع، يقف الواقع السياسي والمعيشي على مفترق طرق، فبينما يرحب السوريون بزوال النظام السابق، تكشف سنة كاملة عن حدود التحولات الحقيقية في الحريات، وسط ملفات داخلية معقدة تحتاج إلى سنوات لترسيخ أي تغيير جوهري.
هذه السنة الأولى لم تكن إلا فصلاً تمهيدياً في رحلة طويلة لبناء دولة جديدة، حيث تتشابك التحديات الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، لتترك السوريين في انتظار المزيد من الحريات والاستقرار الحقيقي.
السوريون يحتفلون بزوال النظام السابق
يقول د. مختار غباشي، المحلل السياسي إنه قد تبدلت سوريا تماماً، ذهب نظام قمعي وأتى نظام جديد، يتحدث الناس عن مرور عام، و يجوبون الشوارع والمدن من درعا إلى دير الزور، مرورا بدمشق وريفها، احتفالا بزوال هذا النظام السابق.
وتابع لـ ” القصة”: “صحيح أن هذا النظام لم يبدأ بعد تثبيت حكمه نهائيا، إذ هناك ملفات كثيرة جدًا في الداخل السوري تحتاج إلى وقت، مثل ملف الإقليم شرق وشمال سوريا وأقليات التعامل معه، ملف الكرد، ملف الساحل والعلويين، ملف السويداء، وملفات أخرى مقلقة”.
وتابع أن الشعب متنفس الصعداء بزوال نظام بشار لأنه كان نظاما قمعيا و إجراميًا، متصوراً أنه، مع مرور عام، والفيديوهات التي بثتها قناة الحدث السعودية والعربية السعودية لبشار الأسد مع سكرتيرته الخاص لونا شبل، كانت فاضحة لآليات رؤية بشار و تعاطيه مع الشعب السوري، لا يوجد تغيير جوهري حدث داخل سوريا حتى الآن، لكن الشعب السوري يرحب بالحركة التغييرية التي بدأت.
وأوضح أن هناك تقارير تشير إلى أن 14 مليون سوري نازح داخليا أو لاجئ خارجياً، عاد جزء منهم إلى سوريا، والمتبقي سيعود لاحقًا، ومن ثم فإن الوضع في سوريا سيتغير، بصرف النظر عن خلفية النظام الأيديولوجية أو معارضيه، فإن الشعب يرى أنه في وضع أفضل بكثير.
التحديات الكبرى أمام النظام الجديد
ويستعرض “غباشي” أبرز الملفات التي تواجه سوريا قائلاً: “أكبر ثلاثة تحديات تتعلق بالملفات الداخلية: ملف السويداء الذي يمثل تحدياً كبيرًا جدًا، ملف التعامل مع إسرائيل الذي يعد تحديا معقداً، وملف العلويين والساحل والتهدئة، وهو ملف أيضًا معقد، إضافة إلى ذلك، ملف إقليم الشرق وشمال سوريا وآليات التوافق والتوفيق بين الإقليم والحكومة المركزية في دمشق، وملفات أخرى تتعلق بتثبيت النظام السوري، بدء التعافي الاقتصادي، وبدء ضخ مشاريع استثمارية وعمليات إعمار تشجع اللاجئين في الخارج على العودة سريعًا إلى الوطن، هذه الملفات جميعها صعبة وتحتاج إلى وقت طويل جدًا لمعالجتها، ولا يمكن التحكم فيها خلال سنة واحدة فقط.”
ويتابع: “يمكن القول إن مسألة الحريات كلمة فضفاضة، إذ أن الأولوية تكمن في التعايش الاقتصادي، وقدرة الدولة على استيعاب اللاجئين و النزحين في الداخل والخارج، وقدرة الحكومة على تثبيت الوضع السياسي وطرح حلول قابلة للتنفيذ للملفات الثلاثة المهمة.”
ولفت إلى أن بعد ذلك يمكن التعامل مع قضايا مثل السويداء، وإسرائيل، وإقليم الشرق وشمال سوريا، والعلاقات مع العلويين، حيث إن الشعب يتنفس الصعداء بعد رحيل نظام بشار، لكنه يحتاج إلى أكثر من ذلك ليس فقط حرية أكبر، بل وضع سياسي أعمق، ودستور يحدد آليات الدولة السورية ونظامها السياسي.
وأوضح أن هذا ما يريده الشعب، لكنه يحتاج إلى وقت لترسيخ النظام، إذ نحن في مرحلة انتقالية يفترض أن تستمر خمس سنوات، وقد مر منها عام، خلال السنوات الأربع المقبلة سيتم وضع دستور دائم ينظم نظام الحريات والوضع القانوني للدولة، وتحديد شكل الدولة: رئاسية، برلمانية، شبه رئاسية، مع انتخابات برلمانية يشارك فيها الشعب مباشرة، وليس كما في الانتخابات السابقة التي اختير فيها مجلس النواب من قبل هيئة خاصة.
واختتم “غباشي” قائلاً: “إن المرحلة المتبقية تتطلب حكومة تمثل كافة الأطياف، وإعادة بناء البنية التحتية السورية لاستيعاب النازحين واللاجئين، نتحدث عن سبعة إلى ثمانية ملايين، ولو افترضنا عودة 2 إلى 3 ملايين، سيكون العدد حوالي 4 ملايين ويزيد، وكل هذه الملفات لا يمكن إنجازها خلال سنة واحدة.”
مساحة الحريات في سوريا.. تحسن شكلي بلا تحول جوهري
شهدت مساحة الحريات في سوريا خلال العام الماضي تغيرا محدودا للغاية، يمكن وصفه بأنه تحسن شكلي لا يعكس تحولا جوهريا في البنية السياسية والأمنية، وعلى الرغم من انخفاض حدة بعض المواجهات العسكرية واتساع النقاشات المجتمعية في بعض المناطق، إلا أن البيئة العامة ما زالت تخضع لرقابة مشددة، سواء من السلطة المركزية أو القوى المسيطرة في مناطق النفوذ المختلفة، وفق ما أكده د. محمد اليمني، رئيس قسم الشؤون العربية لموقع “القصة”.
أبرز التحديات في ملف الحريات
ويضيف د. اليمني:”أبرز التحديات التي لا تزال تواجه المجتمع السوري في ملف الحريات تتمثل في استمرار القبضة الأمنية، غياب منظومة قانونية مستقلة، تشتت السلطة وتعدد الجهات الحاكمة، إضافة إلى الظروف الاقتصادية القاسية التي تقلص من قدرة المجتمع المدني والإعلام على العمل بحرية.”
مؤشرات ضعيفة للحريات
وبالنظر إلى العام الأول بعد الأحداث الأخيرة، يشير د. اليمني إلى أن لا يمكن اعتباره خطوة واضحة باتجاه تعزيز الحريات؛ إذ إن المؤشرات ما تزال تذهب باتجاه الركود أو التحسن المحدود غير القابل للترسيخ.
“غياب الإرادة السياسية للإصلاح الحقيقي يجعل أي تقدم في ملف الحريات هشا وقابلاً للانتكاس”، هذا مايؤكده د. اليمني، مشيرًا بذلك إلى أن أي تغير جوهري في واقع الحريات يحتاج إلى خطوات سياسية حقيقية وتغيير معمق في آليات الحكم والبنية القانونية للدولة.
عام على سقوط النظام.. بين التفاؤل والحذر
على الرغم من الاحتفالات الشعبية وزوال النظام القمعي، يظل الواقع السياسي والاجتماعي في سوريا معقداً و متشابكا، فبينما يرى السوريون أنهم في وضع أفضل مقارنة بالماضي، تؤكد التحليلات أن التحولات الجوهرية في الحريات لا تزال محدودة وهشة، وأن التقدم يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية وإصلاح معمق للبنية القانونية و المؤسساتية للدولة.
إن السنة الأولى لم تكن إلا بداية الطريق نحو دولة جديدة، مسار طويل تتشابك فيه الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتطلب سنوات لترسيخ الحريات وبناء استقرار مستدام، وبالنظر إلى حجم التحديات الداخلية والخارجية، يظل الشعب السوري في انتظار مرحلة انتقالية متكاملة، تعيد بناء مؤسسات الدولة وتضع دستورا دائمًا يضمن الحقوق والحريات و يهيئ الأرضية اللازمة لانتخابات حقيقية وحكومة تمثل كافة الأطياف.
في النهاية، يبقى درس السنة الأولى واضحاً: الفرحة بزوال القمع لا تعني انتهاء التحديات، والتطلعات إلى الحرية والاستقرار الحقيقي تحتاج إلى صبر طويل وإجراءات جذرية، لتتحول سوريا من مرحلة الاحتفال بزوال نظام إلى مرحلة بناء دولة حقيقية على أسس سياسية وقانونية راسخة.