أجرى موقع “القصة”، حوارًا موسعًا مع، مدير عام نادي الأسير الفلسطيني والمتحدث الرسمي باسم النادي، أمجد عسير، حول الانتهاكات الخطيرة التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية، إذ كشف عن تفاصيل دقيقة وصادمة تعكس سياسة ممنهجة من التشديد والتجويع والمعاملة القاسية.
انعكاس تصريحات بن غفير على الحياة اليومية للأسرى
أكد عسير أن تصريحات بن غفير حول “التشديد والتجويع” لم تقتصر على الخطاب السياسي، بل تحولت إلى سياسات عملية انعكست بشكل مباشر و قاسٍ على الواقع اليومي للأسرى. وأضاف أن هذه السياسات تقوم على نهج عقابي شامل يستهدف كل تفاصيل حياة الأسرى، ويعتمد على فكرة الانتقام الجماعي والضغط النفسي والجسدي.
وأوضح عسير أن كميات الطعام تقلصت إلى مستويات غير كافية من حيث الكم والنوع، مع تدني جودة الطعام بشكل خطير، ما أدى إلى انتشار حالات الجوع وسوء التغذية ونقص الوزن، خصوصًا بين المرضى وكبار السن. كما تم سحب أدوات الطبخ ومنع الأسرى من إعداد طعامهم وحرمانهم من شراء احتياجاتهم الأساسية من الكانتينا.
وأشار إلى أن سياسة التشديد شملت أيضًا حرمان الأسرى من إدخال الملابس والأغطية، تقليص ساعات الفورة، ومنع استخدام الكهرباء والمياه الساخنة لفترات طويلة، ما فاقم معاناتهم اليومية، خاصة في فصلي الشتاء والصيف، كما صعدت إدارات السجون من عمليات الاقتحام المفاجئ للغرف باستخدام وحدات قمعية مدججة بالسلاح والكلاب البوليسية، مصحوبة بالاعتداء الجسدي وتحطيم ممتلكات الأسرى وفرض غرامات وعقوبات جماعية.
أما على المستوى الصحي، فأكد أمجد أن الإهمال الطبي المتعمد ومنع نقل المرضى إلى العيادات والمستشفيات وتقليص الأدوية أدى إلى تفاقم الأمراض المزمنة وانتشار الأوبئة والأمراض الجلدية، وهي ممارسات يصفها النادي بأنها سياسة قتل بطيء بحق الأسرى.
وأضاف أن الانتهاكات أثرت بشكل كبير على الجانب النفسي والاجتماعي، بما في ذلك العزل الانفرادي، منع الزيارات العائلية، قطع التواصل مع العالم الخارجي، وحرمان الأسرى من التعليم والبرامج الثقافية، ما تسبب في حالة ضغط نفسي حاد وشعور دائم بعدم الأمان والاستقرار، واعتبر عسير أن هذه الإجراءات تمثل ترجمة فعلية لتصريحات بن غفير، وتهدف إلى كسر إرادة الأسرى والنيل من كرامتهم الإنسانية في انتهاك صارخ لكل القوانين والمواثيق الدولية.
هل يشكل ما يحدث جرائم حرب؟
رد عسير بشكل واضح، مؤكداً أن ما يحدث داخل السجون الإسرائيلية يمكن اعتباره جرائم حرب مكتملة الأركان وفق توصيفات قانونية وحقوقية متعددة، وأوضح أن الأسرى الفلسطينيين هم أشخاص محميون بموجب اتفاقيات جنيف الرابعة والقانون الدولي الإنساني، وأي انتهاك جسيم مثل التعذيب والمعاملة القاسية والتجويع المتعمد يشكل جريمة حرب واضحة.
وأشار إلى أن سياسة التجويع والإهمال الطبي والعقوبات الجماعية ليست ممارسات فردية، بل سياسات ممنهجة ومنظمة، تصدر بتصريحات رسمية وتنُفذ داخل جميع السجون، ما يحقق شرط القصد الجنائي والتنظيم المؤسسي لتوصيفها كجريمة حرب.
كما شدد على أن هذه الانتهاكات مستمرة رغم التوثيق المتكرر والتحذيرات القانونية، وهو ما يرقى أيضًا إلى جرائم ضد الإنسانية إذا ثبت أنها جزء من هجوم واسع و ممنهج ضد فئة مدنية محددة، وخلص إلى أن ما يجري داخل السجون ليس مجرد تجاوزات أو ظروف احتجاز قاسية، بل جرائم حرب مكتملة الأركان تتحمل مسؤوليتها القيادات السياسية والعسكرية وإدارات السجون وكل من شارك أو أمر أو سهل ارتكاب الانتهاكات.
أنماط التعذيب والشهادات الموثقة
أوضح عسير أن نادي الأسير الفلسطيني والمؤسسات الحقوقية سجلت أنماطاً متعددة من التعذيب والانتهاكات، مع شهادات موثقة من أسرى محررين ومحامين زاروا السجون. تشمل أبرز أنماط التعذيب:
التعذيب الجسدي والنفسي: ضرب مبرح، صعق كهربائي، استخدام القيد الطويل، الاستيقاظ القسري، و”تحقيق الديسكو” باستخدام موسيقى عالية لساعات طويلة مع الحرمان من النوم والطعام والماء.
التجويع والحرمان من الاحتياجات الأساسية: نقص كميات الطعام وسوء جودته، منع العلاج الطبي والأدوية، تفاقم الأمراض المزمنة وانتشار الأمراض الجلدية.
الإهانات والمعاملة الحاطة بالكرامة: التعري القسري، تقييد اليدين والعينين، إجبار الأسرى على أوضاع جسدية مؤلمة، عزلة شبه كاملة، ومنع الزيارات.
العنف الجنسي والتحرش: حالات عنف جنسي وتحرش أثناء الاحتجاز، مع استخدام الكلاب البوليسية بطريقة مهينة، وفق تقارير أممية.
شهادات موثقة: روايات الأسرى المحررين والمحامين تؤكد الضرب المستمر، الصعق بالكهرباء، الحرمان من الطعام والماء، والألم النفسي والجسدي.
التطور بعد السابع من أكتوبر
أكد نادي الأسير أن الفترة التي تلت السابع من أكتوبر شهدت تصعيدا نوعياً و خطيرا في أساليب التعذيب، حيث تحولت الممارسات إلى سياسة مفتوحة بلا ضوابط، تشمل العنف الجماعي أثناء الاعتقال والنقل والتحقيق، مع تحويل الإهمال الطبي إلى أداة تعذيب مباشرة أدت إلى تدهور صحي واسع ووفيات.
وأشار عسير إلى أن التعذيب النفسي أصبح أكثر حدة، مع تهديد مستمر وإذلال يومي وقطع التواصل مع العالم الخارجي، واعتبر أن ما يميز هذه المرحلة هو الطابع الانتقامي العلني لهذه السياسات، مدعومة بتصريحات رسمية تشجع على التشديد والتنكيل.
التجويع كسياسة ممنهجة والأخطار الصحية
أكد أمجد أن سياسة التجويع أصبحت ممنهجة، وليست حالة طارئة، وتشمل تقليص كميات الطعام بشكل كبير، سوء نوعيته، ومنع شراء البدائل أو إدخال المكملات الغذائية.
على المستوى الصحي، أشار إلى فقدان حاد في الوزن، سوء تغذية شديد، تفاقم الأمراض المزمنة، انتشار أمراض جلدية و معدية، و إغماء متكرر داخل الأقسام. وحذر من أن الجمع بين التجويع و الإهمال الطبي يشكل تهديداً مباشرا لحياة الأسرى و يرقى إلى جريمة تعذيب وقتل بطيء.
الأسرى المرضى وخطر الموت
كشف عسير أن العدد الحقيقي للأسرى المرضى المعرضين للخطر يصل إلى مئات، مع توثيق ما لا يقل عن 98 وفاة منذ أكتوبر 2023 وحتى نهاية نوفمبر 2025 بسبب الإهمال الطبي والتجويع والعنف، وأكد أن العدد الفعلي قد يكون أكبر بسبب غياب الشفافية وصعوبة الحصول على بيانات دقيقة من داخل السجون.
انتهاكات الأطفال والأسرى النساء
أشار عسير إلى الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الأسرى الأطفال، بما في ذلك الاعتقال الليلي، التحقيقات القاسية دون حضور ولي أمر أو محامي، الضرب، التعذيب النفسي، و الاحتجاز الإداري. كما وثقت حالات وفاة لطفل فلسطيني أثناء الاعتقال بسبب الظروف القاسية.
أما الأسيرات الفلسطينيات، فتتعرض لانتهاكات شديدة تشمل الاعتقال والتحقيق العنيف، الضرب و الصعق، التجويع وسوء التغذية، الإهمال الطبي، العزل الطويل، الاعتداء الجنسي والتحرش، والحرمان من التعليم والرعاية لأطفالهم.
الاعتقال الإداري وأدوات القمع
أكد عسير أن الاعتقال الإداري يستخدم كجزء من سياسة القمع الممنهج لكسر إرادة الأسرى، حتى في حالات دون ملف أمني حقيقي أو أدلة ملموسة، مع تمديد الاحتجاز بشكل متكرر وفترات طويلة دون محاكمة فعلية، ما يمثل انتهاكا صارخاً للقانون الدولي.
موقف المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان
رغم التنديد المستمر، أشار عسير إلى أن الموقف الدولي محدود التأثير، مع استمرار الانتهاكات دون محاسبة فعلية، وأن هناك صمتاً يشبه التواطؤ و عجزاً عن الفعل من قبل المجتمع الدولي، مما يتيح لإسرائيل الاستمرار في سياساتها دون خوف من عقوبات.
رسالة الأسرى الفلسطينيين للعالم
اختتم عسير حديثه برسالة واضحة من الأسرى، تشمل: صرخة من أجل الكرامة الإنسانية، الاعتراف ومعاناتهم اليومية وحماية حقوقهم الأساسية، دعوة للضغط والمساءلة الدولية: تحويل التنديد إلى إجراءات فعلية، رسالة للشعب الفلسطيني، استمرار الصمود والمقاومة داخل السجون، تسليط الضوء على الأطفال والنساء: حماية الفئات الأضعف وفق القانون الدولي، نداء للعدالة الإنسانية، التعامل مع الانتهاكات كجرائم ضد الإنسانية.
وأشار إلى أن الأسرى يسعون للوصول إلى العالم برسالة صرخة كرامة وصمود ودعوة للعدالة، تحذر من استمرار الانتهاكات اليومية داخل السجون الإسرائيلية.