في قلب وسط القاهرة، وعلى الجانب النابض من شارع طلعت حرب (الذي كان يُسمّى سابقًا سليمان باشا)، يقف مبنى سينما راديو كأحد أهم معالم الذاكرة الثقافية والفنية للقاهرة، المبنى الذي افتُتح عام 1932 تحوّل عبر عقود من الزمن إلى شاهد على الحركة السينمائية والمسرحية المصرية، وأحد أهم الشواهد المادية على الحداثة التي عرفتها مصر في النصف الأول من القرن العشرين، حيث مثّل وجهة للنخبة المثقفة وطبقة رجال الأعمال والعائلات الراقية في العاصمة، وها هو اليوم يعود ليصبح مركزًا معاصرًا للثقافة والفنون بعد مشروع ترميم واسع أعاد إليه الروح والبريق.
تصميم معماري يعكس عصره
صُممت السينما بطابع معماري ينتمي إلى مدرسة الـ Streamline Moderne، وهي من إنتاج فريق ضم المعماري ماكس إيدري بالتعاون مع جارو باليان وفيكتور سلامة.
جاء التصميم على هيئة مبنى إداري ضخم يطل على الشارع، ويضم أكثر من 120 غرفة، يليه مبنى السينما الذي لا يصل إليه الزوار إلا عبر ممر تجاري يخترق المبنى الأمامي وصولًا إلى قاعة العرض.
كانت هذه القاعة في الأصل واحدة من أكبر قاعات السينما في القاهرة بشاشتها العملاقة، قبل أن تُقسّم لاحقًا إلى مستويين يستوعبان صالتين مستقلتين تبلغ مساحة كل منهما نحو 1500 متر مربع.
خلال “العصر الذهبي” لوسط القاهرة، كانت سينما راديو من أهم دور العرض التي شهدت افتتاح أعظم الأفلام المصرية، وكانت مقصدًا لنخبة المجتمع، كما شكّلت جزءًا من شبكة دور سينما انتشرت في مدن مصر الكبرى، شيدها مستثمرون مصريون في ظل الازدهار الاقتصادي الذي أعقب ثورة 1919 وظهور مؤسسات وطنية مثل بنك مصر وشركاته، ومنها “استوديو مصر” لصناعة السينما.
لم يكن هذا التطور تقليدًا للنموذج الأوروبي أو محاولة لنسخ الحداثة الغربية كما يروّج البعض، بل كان تعبيرًا أصيلًا عن روح ذلك الزمن في مصر؛ حداثة نشأت رغم الضغوط الاستعمارية لا بسببها.
كانت القاعة الرئيسية تُعد عند افتتاحها من الأكبر في القاهرة، واحتوت على شاشة اعتُبرت الأكبر في المدينة خلال تلك الفترة.
مع التحولات السياسية والاقتصادية في مطلع الستينيات، وقرارات التأميم التي أضعفت رأس المال الخاص، بدأت طبقة رجال الأعمال التي بنت هذه الدور تتراجع، فانعكس ذلك على صناعة السينما المزدهرة آنذاك، وتدهورت حال المبنى تدريجيًا، شأنه شأن كثير من منشآت وسط القاهرة التي فقدت مركزها السابق لصالح تحولات اجتماعية واقتصادية جديدة، وفي سبعينيات القرن الماضي، تعرّضت القاعة لتغيير جوهري بعدما تم تقسيمها إلى قسمين: قاعة عرض سينمائي ومساحة مستقلة للعرض المسرحي.
ومثل ما حدث في مدن عالمية أخرى، لم يكن تراجع وسط القاهرة حكاية مصرية خالصة، بل جزءًا من ظاهرة عالمية ضربت المراكز الحضرية التاريخية في القرن العشرين.
بين الماضي والحاضر
لم يكن مبنى سينما راديو مجرد دار عرض، بل كان مسرحًا للحظات تاريخية في الذاكرة الفنية لمصر، ففي 6 ديسمبر 1951، شهد المكان تقديم أم كلثوم لأنشودتها الشهيرة “إلى عرفات الله” لأول مرة أمام الجمهور، وظلّت جدران المبنى لعقود تحمل ذاكرة الفن المصري في عصره الذهبي، لكن التحولات العاصفة جعلت منه إشكالية تطرح سؤالًا شائكًا: كيف يمكن التعامل مع مبانٍ ضخمة صُممت لطبقة اقتصادية وثقافية لم تعد موجودة بنفس الثقل اليوم؟
القيمة العقارية لهذه المباني ليست مجرد مساحات للإيجار، بل وثائق حيّة تحتفظ بملامح التطور الاجتماعي والاقتصادي والفني لمصر الحديثة، هدمها أو التفريط فيها يعني في جزء منه فقدان صفحات من التاريخ المادي الذي يوثّق صعود المجتمع المصري الحديث.
وفي إطار محاولات إعادة الإحياء المستمرة، ووفق خطة لإحياء وسط القاهرة، اشترت شركة الإسماعيلية للاستثمار العقاري المبنى عام 2009، وأطلقت مشروع ترميم شامل تمّ على مرحلتين:
2011: تم تجديد الواجهات والمداخل والممرات والمساحات التجارية.
2017: تم تطوير كامل للمكاتب الداخلية، وتزويد المبنى بمصعد بانورامي وسُلّم طوارئ جديد لتعزيز الأمان.
بعد التجديد، تحوّل المبنى إلى مركز متعدد الاستخدامات يستضيف عروض سينما مستقلة، فعاليات مسرحية، حفلات موسيقية، لقاءات ثقافية وأدبية، معارض فنية.
وامتدت الحياة التجارية إلى محيطه، حيث افتُتحت محلات ومقاهٍ شهيرة أمام الواجهة، ما جعل المكان نقطة جذب جديدة للشباب وروّاد الوسط الثقافي في قلب القاهرة. وتحوّل المبنى إلى ما هو أبعد من دار عرض تقليدية، فقد أصبحت مساحاته الإدارية مقرًا لشركات ثقافية وإبداعية، ما عزز دوره كمنصة تفاعلية تربط بين الإنتاج الفني والعمل الثقافي في قلب العاصمة.
أهمية ثقافية مستمرة
يمثل مبنى السينما اليوم مثالًا ناجحًا لكيف يمكن إعادة استخدام المباني التراثية تاريخيًا بشكل يتماشى مع متطلبات العصر دون فقدان هويتها، فقد تمت إعادة إحياء موقع كان شاهدًا على نهضة السينما المصرية ليعود ويستضيف موجة جديدة من الإبداع.
وفي وقت أصبحت فيه القاهرة الحديثة تبحث عن توازن بين التطور والحفاظ على الشخصية المعمارية، تبدو سينما راديو نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه علاقة المدينة بماضيها: مكان ينبض بتاريخ الفن ويستمر في كتابة فصول جديدة منه.
تجربة سينما راديو ليست مجرد مشروع إعادة تأهيل، بل جزءًا من نقاش أوسع حول علاقة المصريين بحداثتهم التي تُطمس أحيانًا خلف سرديات تفترض أن “التحديث” مشروط بنموذج المحو. بل يمكنه أن يكون إعادة فتح صفحات الماضي وجعلها قابلة للمشاهدة والتجربة، ما يمكن أن يمثل أداة لتحرير الوعي من روايات استعمارية جديدة تحاول تصوير الحداثة المصرية كمحاولة فاشلة.
وبين ما كانت عليه وما أصبحت إليه، تظل سينما راديو رمزًا لمدينة عريقة لا تزال تحاول الدفاع عن ذاكرتها، بينما يظل المستقبل مفتوحًا.